30 يونيو والإنقاذ «مرتين»
لا يعتبر «٣٠ يونيو» مجرد مناسبة وطنية عابرة، بل هو محطة فارقة فى تاريخ الدولة المصرية الحديث. هذا اليوم يمثل لحظة انتصار الدولة الوطنية على مشروع كان يهدد وجودها، ولحظة أكد فيها الشعب المصرى أن إرادته أقوى من أى جماعة أو تنظيم يسعى إلى اختطاف الوطن. إنها الثورة التى استعادت بها مصر هويتها، وأعادت تصحيح مسارها بعد عام من الارتباك والانقسام، قبل أن تثبت السنوات اللاحقة أن معركة الحفاظ على الدولة لم تنتهِ، وأن القيادة السياسية وجدت نفسها مضطرة إلى الدفاع عنها مرة أخرى فى مواجهة ضغوط إقليمية ودولية.
فى تقديرى، أنقذت القيادة السياسية الشعب المصرى مرتين؛ الأولى عندما انحازت إلى ملايين المصريين الذين خرجوا رافضين استمرار حكم جماعة الإخوان، والثانية عندما اتخذ الرئيس عبدالفتاح السيسى موقفاً حاسماً برفض أى مخطط لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، مؤكداً أن الأمن القومى المصرى ليس محل تفاوض أو مساومة، مهما كانت الضغوط.
كان عام حكم الإخوان تجربة كشفت أن الوصول إلى السلطة لا يعنى امتلاك مشروع لإدارة الدولة.
فقد بدت الجماعة منشغلة بتثبيت نفوذها أكثر من انشغالها ببناء وطن يتسع للجميع، وسعت إلى إحكام قبضتها على مؤسسات الدولة.
لقد افتقرت الجماعة إلى رؤية حقيقية لإدارة دولة بحجم مصر، واعتمدت على الخطاب الدينى أكثر من اعتمادها على التخطيط والسياسات العامة.
فبدلاً من تقديم حلول للأزمات المتفاقمة، جرى توظيف الشعارات الدينية لاستمالة الشارع بعبارات تكرس الجهل والظلامية، وكأن دغدغة المشاعر الدينية يمكن أن تكون بديلاً عن الكفاءة والخبرة والإدارة الرشيدة.
خلال ذلك العام، شهدت مصر انقساماً سياسياً ومجتمعياً. فالإعلان الدستورى الذى منح الرئيس صلاحيات استثنائية، والخلافات حول صياغة الدستور، ومحاولات السيطرة على مؤسسات الدولة، كلها عززت شعوراً متزايداً لدى قطاعات واسعة بأن الدولة تُدار بعقلية الجماعة لا بعقلية الوطن، وأن مفهوم الشراكة الوطنية قد استُبدل بمنطق «التمكين»، فى الوقت نفسه، غرقت البلاد فى أزمات أنهكت المواطن؛ انقطاع الكهرباء، وأزمات الوقود، وتراجع الاستثمار والسياحة، وغياب الثقة فى الاقتصاد، بينما بدا النظام عاجزاً عن تقديم حلول عملية. ورأى كثير من العلماء أن الجماعة كانت بارعة فى الوصول إلى السلطة، لكنها لم تكن مستعدة لتحمل مسئولية إدارة دولة تواجه تحديات داخلية وإقليمية معقدة فخرج ملايين المصريين ليس فقط رفضاً لرئيس، وإنما دفاعاً عن الدولة نفسها.
وجاء انحياز القوات المسلحة استجابةً لهذا الحراك الشعبى، ليمنع انزلاق البلاد إلى صدام أهلى أو انهيار مؤسساتها، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار الذى لم يحدث إلا بعد المحاولات الإخوانية بالحرق والتدمير والقتل من خلال تفجيرات الكمائن والكنائس والعمليات الإرهابية داخل سيناء احتجاجاً على طردهم من السلطة!
لم تتوقف معركة الحفاظ على الدولة عند حدود الداخل، بل امتدت إلى واحدة من أعقد الأزمات الإقليمية فى تاريخ المنطقة، وهى الحرب على غزة وما تبعها من مقترحات لإعادة رسم الخريطة السياسية والديموغرافية للصراع الفلسطينى الإسرائيلى. فقد طرح ترامب فكرة تهجير الفلسطينيين لإنشاء ريفيرا غزة ليصطدم بالموقف المصرى الحاسم: لا لتهجير الفلسطينيين، ولا لتصفية القضية الفلسطينية.
لقد أدركت القيادة المصرية أن التهجير ليس مجرد إجراء إنسانى مؤقت كما حاول البعض تصويره، وإنما يمثل تحولاً استراتيجياً بالغ الخطورة.
فخروج الفلسطينيين من أرضهم، حتى لو كان تحت ضغط الحرب، يهدد بتحويل النزوح المؤقت إلى واقع دائم، ويمنح الاحتلال فرصة لفرض وقائع جديدة، وهو ما يعنى عملياً إفراغ قطاع غزة من سكانه وتقويض أحد أهم مرتكزات القضية الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق، وقف الرئيس وحده وبحسم أمام المخطط ورفض بصورة قاطعة أى مقترح يقضى بنقل الفلسطينيين إلى سيناء، مؤكداً أن الأمن القومى المصرى خط أحمر، وأن سيناء لم ولن تكون أرضاً بديلة لأى شعب، لأن حل القضية الفلسطينية لا يكون بإفراغ الأرض الفلسطينية من أصحابها، وإنما بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقد أكدت القاهرة مراراً أن أى محاولة للالتفاف على هذا الأساس لن تؤدى إلا إلى إطالة أمد الصراع وإنتاج أجيال جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
ولذلك لم تتعامل القاهرة مع الضغوط باعتبارها قدراً محتوماً، بل تعاملت معها باعتبارها اختباراً لإرادة الدولة واستقلال قرارها السياسى وهذا ما كان ليتحقق أبداً تحت قيادة الإخوان الضعيفة التى تحمل أجندة خاصة.
حمت القيادة دولتها فى 30 يونيو من مخالب الجماعة وحمت أيضاً أمنها القومى والقضية الفلسطينية بتمسك مصر برفض التهجير، ورفض أى تصورات تتجاوز الحقوق الفلسطينية، وهاتان الحمايتان هما انعكاس للعقيدة المصرية القائمة على حماية الدولة الوطنية والدفاع عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى.