كرة القدم والسياسة (10)
دخلت الأيديولوجيا لتُشكل طريقة اللعب، وتشكيل الفريق. فالنموذج السوفيتي أخضع المنتخب الوطني لتنوع واختلاف القوميات واللهجات، بحيث يأتي الفريق ممثلاً لكل القوميات التي يتكون منها الاتحاد السوفيتي متسع الأرجاء. في المقابل كانت هناك محاولة كي تعكس طريقة اللعبة الأيديولوجية الشيوعية، عبر الإيمان بشمولية أدوار اللاعبين في الملعب، وإعطاء مفاهيم جديدة لاستغلال المساحات، وتنوع المهارات التي يمكن لأي لاعب القيام بها في إطار المجموع.
وتماهت كرة القدم مع بعض التصورات النسوية، وهو ما تطرحه اللاعبة الأمريكية السابقة جويندلن أوكسنهام في كتابها «تحت الأضواء وفي الظلام»، الذي تشرح فيه ما يدور في العالم السري لكرة القدم النسائية في الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والبرازيل، وكيف تعاني اللاعبات في مواجهة نظام ذكوري قاسٍ، وتفرقة واضحة بين الجنسين، إلى جانب صور ذهنية تُقلل من شأن النساء، وقبلها منظومة قوانين مجحفة بالسيدات، وقواعد مغايرة للعبة، لا تعطي وزناً للكرة النسائية.
وتمّت استعارة كرة القدم برمتها كمجال للتعبير عن التعصّب السياسي والاجتماعي، أو مثلت تكئة لهذا، وهي حالة نراها في بلدان كثيرة، حيث يحقّر مشجعو كل فريق من مشجعي غيره. ويمكن هنا عرض مثلين صارخين، ففي إيطاليا نجد أنه عندما بدأ فريق نابولي يلعب أفضل كرة قدم استعاد سكان شمال البلاد صوراً قديمة للتعصّب والعنصرية ضد الجنوبيين فكانوا يرفعون لافتات مهينة لهم في استادات ميلان وتورين تقول: «أيها النابوليون، أهلاً بكم في إيطاليا» أو «إننا نعتمد عليك يا بركان فيزوف»، أي ينتظرون من البركان أن يجرفهم ويميتهم جميعاً، ثم ينشدون:
«يا للرائحة الكريهة
حتى الكلاب تهرب
النابوليون قد وصلوا
آه للملونين للمزلزلين
لا يمكن حتى للصابون أن ينظفهم
نابولي أيتها البراز، نابولي أيتها الطاعون
أنت عار على إيطاليا كلها»
ويحدث الأمر نفسه مع فريق بوكا جونيورز الأرجنتيني، الذي يشجعه الريفيون والسود، فيتأفّف منهم سكان بوينس أيرس، ويطلقون عقائرهم بغناء كريه في المدرجات:
«الكل يعرف أن البوكا في حداد
فجميعهم سود، جميعهم....
لا بد من قتل هذا الروث
لا بد من رميهم إلى نهر ريتشاويلو».
لكن استعارة كرة القدم كمجال للتعصّب وبث ثقافة الكراهية دخلت إلى مساحات أشد قتامة، حيث ارتبطت بالنزوع العنصري ضد السود. ففي سنة 1921 أصدر الرئيس البرازيلي إيبيتاسيو بيسوسا مرسوماً يقضي بعدم إرسال اللاعبين السود للمشاركة في بطولة كأس أمريكا اللاتينية حتى لا يسيئوا إلى البلاد. لكن رغم أنف السلطة فرضت مهارة اللاعبين السود والخلاسيين أنفسهم مع تقدم السنين، وصارت كرة القدم وسيلة للحراك الاجتماعي لديهم، بل وحيازة ثروات هائلة، والتحول إلى نجوم عالميين.
ووقع الأمر نفسه في أوروبا، فبعد أن كان هناك انحياز للاعبين بيض البشرة، أخذ الأجانب يزحفون على الأندية الأوروبية، حتى وجدنا فريق تشيلسي تحت إدارة الإيطالي جيانلوكا فياللي ينزل إلى أرض الملعب خالياً من أي لاعب بريطاني. ووضع فريق أرسنال قائمة لاعبين أساسيين واحتياطيين كاملة من غير البريطانيين عام 2005، تحت قيادة الفرنسي آرسين فينجر، وصولاً إلى مشاركة 27 لاعباً من 22 جنسية مختلفة من الفريقين في مباراة واحدة بين بلاكبيرن ووست بروميتش في يناير 2011.
إن هذه الاعتبارات الخمسة، تجعل الاستعارة المتبادلة بين كرة القدم والأفكار والممارسات السياسية قائمة، ولها ما يبررها، حتى لو كان هناك من يعتقد أن العلاقة واهية بين المجالين. وتبقى الكرة أشبه بتمرين، يمكن أن نطبقه على مجالات أخرى، لقيام الاستعارة السياسية في أنشطة وممارسات لا حصر لها، وأن هذا أمر لا فكاك منه، مهما حاول البعض أن يضيّق الخناق على السياسة، لتصير مقتصرة على المعاني والمفاهيم والتصرّفات المرتبطة بالسلطة العليا، والعلاقات بين الدول فقط.