ألاعيب «الدجال»

الدجل بمعنى الكذب والمخادعة وتزييف الواقع يُعد جزءاً لا يتجزأ من حياة البشر، والدجالون موجودون في كل زمان ومكان. يكاد يكون «قابيل» قاتل أخيه أقدم «دجّال» ظهر على وجه الأرض، فقد كان مزارعاً، ولما أراد أن يقرب إلى الله قرباناً، اختار أردأ ما لديه من ثمار، وادخر الجيد لنفسه، لقد أراد أن يُدجّل على السماء، فلم يقبل الله تعالى قربانه، في المقابل كان «هابيل» راعياً للغنم، وامتاز بالاتساق مع نفسه ومع إيمانه بربه، فقرّب شاة من أفضل الشياه عنده فتقبل الله تعالى منه.

الحديث عن التدجيل والتحذير من الدجال -كفكرة- قديم يعود بجذوره إلى أيام نبي الله نوح، ينقل «ابن كثير» في «البداية والنهاية»: «عن أبي سعيد قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد بعث نوحاً بالحق، وإنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها، ولم يدع شيئاً مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به، ولا شيئاً مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه، حتى إنه حذّر قومه المسيح الدجّال، وإن كان لا يتوقع خروجه في زمانهم، حذراً عليهم وشفقة ورحمة بهم». لقد حذّر «نوح» قومه من الدجّال رغم عدم توقع خروجه في زمانهم. فجيل نوح كان أكثر نقاء من غيره، وبالتالي لم يكن من الوارد أن يظهر فيه دجالون، لأن من ركب السفينة مع نوح عدد محدود من البشر الذين آمنوا به، وعاشوا ممتثلين لتعاليم نبيهم، لكن الأمر اختلف في الأجيال التالية، وقام الدجالون بأدوار البطولة داخل بعض المشاهد، فاتجهوا إلى الكذب والخداع والتضليل، وباعوا للناس الأوهام.

في عصر «موسى» عليه السلام ظهر دجال كبير وشهير، لعب دوراً خطيراً في تضليل بني إسرائيل، وهو «السامري». قال تعالى في سورة «طه»: «قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ». لقد تمكن «السامري» من إقناع بني إسرائيل بأن يكون لهم «إله» مثلما هو حال غيرهم، فجمع ما لديهم من ذهب وحلي وصنع لهم عجلاً جسداً له خوار، وقال لهم إن ذلك هو إلههم الجدير بالعبادة، لقد تمكن «السامري» من خداعهم بصوت الخوار الذي انطلق من العجل، وأخذ بنو إسرائيل يستمعون وينظرون إليه وهم في غاية الدهشة، فكيف يخور العجل المصنوع من ذهب؟ وقالوا في أنفسهم لا بد أن السامري صاحب معجزات.

لا بد للدجال من أدوات تمكنه من المراوغة والتضليل وتزييف الواقع، وتلك هي باختصار سمات الصورة التي رسمتها الأحاديث النبوية للدجال، فهو يضع تحت يده مجموعة من الأدوات الخطيرة، فيحتكر الطعام والشراب ويأتي ببعض الأعاجيب التي تضع الذهن البشري في حالة ارتباك واضطراب، تماماً مثلما أفلح «السامري» في خداع بني إسرائيل وإيهامهم بأن العجل الذي صنعه من الذهب بات كائناً حياً يثور ويخور. سوف يظل الدجالون باقين ما بقي البشر.