كنت هناك
لم أقرأ ما جرى فى كتاب، ولم أتابعه عبر شاشة تليفزيون، ولم أنقل رواية سمعتها من الآخرين، بل كنت شاهد عيان على أول شرارة حقيقية سبقت ثورة 30 يونيو، وعشت تفاصيلها يوماً بيوم وساعة بساعة، ورأيت كيف تحولت معركة الدفاع عن الثقافة المصرية إلى واحدة من أهم المحطات التى مهدت لانتفاضة شعبية غيرت وجه التاريخ المصرى الحديث.
فى إحدى ليالى شهر يونيو عام 2013، جاء إلى مقعد وزير الثقافة شخص يدعى علاء عبدالعزيز. لم يكن معروفاً فى الأوساط الثقافية بما يؤهله لتولى هذه الحقيبة المهمة سوى كونه مدرساً بمعهد السينما، لكن الحكومة الإخوانية آنذاك رأت فيه الرجل المناسب لتنفيذ مشروعها داخل الوزارة.
منذ اللحظة الأولى شعر العاملون فى وزارة الثقافة ودار الأوبرا المصرية بأن الوزير الجديد لم يأت لإدارة الملف الثقافى، وإنما جاء حاملاً مشروعاً أكبر عنوانه «أخونة الثقافة»، وأن الوزارة ستكون إحدى بوابات التمكين للجماعة داخل الدولة المصرية. وكانت البداية بقرار إقالة الدكتورة إيناس عبدالدايم من رئاسة دار الأوبرا المصرية. بدا القرار للوهلة الأولى وكأنه تغيير إدارى عادى، لكن العاملين بالأوبرا قرأوا ما وراء السطور، وأدركوا أن الأمر يتجاوز شخص إيناس عبدالدايم إلى محاولة السيطرة على واحدة من أهم المؤسسات الثقافية المصرية والعربية.
رفض أبناء الأوبرا القرار، وقرروا المواجهة. لم يكتفوا بالاعتراض المحلى، بل خاطبوا دور أوبرا وفرقاً فنية عالمية، طالبين التضامن مع قضيتهم. واستجاب عدد كبير من المؤسسات الفنية الدولية، وأرسلوا رسائل دعم وتأييد أكدت أن ما يحدث داخل مصر بات محل متابعة العالم كله. وسرعان ما انضم المثقفون والفنانون إلى أبناء الأوبرا، وتحول الاعتصام من دار الأوبرا إلى وزارة الثقافة نفسها.
أتذكر جيداً تلك الأيام. فى لحظات كثيرة كنت أجلس بجوار الدكتورة إيناس عبدالدايم على الرصيف المقابل للوزارة -كنوع من الدعم والتغطية الصحفية- لفضح مخطط أهل الشر، كنت أشفق عليها من حجم الضغوط النفسية والعصبية التى تعرضت لها. ومع تصاعد الأحداث بدأ الإخوان فى استخدام السلاح الذى اشتهروا به دائماً، وهو سلاح البلطجة والترهيب. كنت أنظر إليها وأتساءل بينى وبين نفسى: ماذا لو حاولوا الاعتداء عليها؟ لكن ما كان يطمئننى هو رد فعل الناس البسطاء الذين بدأوا يتوافدون إلى الاعتصام ويعلنون تضامنهم مع المثقفين والفنانين. شيئاً فشيئاً بدأت أشعر أن الجماعة قد وصلت إلى نهايتها. فهذا الشعب الذى التحق بالمثقفين لم يكن يدافع عن منصب أو شخص، بل كان يدافع عن هوية وطن.
وصل الناس إلى قناعة كاملة بأن جماعة الإخوان لا تصلح لحكم بلد بحجم مصر. كيف يمكن لجماعة أن تحكم شعباً يمتلك حضارة تمتد لسبعة آلاف عام؟ شعباً يعرف قيمة الحرية والعدالة والثقافة وحقوق الإنسان؟ شعباً علّم العالم الكثير من العلوم والمعارف والفنون؟ وجاءت لحظة فارقة عندما هاجم عدد من بلطجية الإخوان الاعتصام بقيادة أحمد المغير. لكن المعتصمين لم يكونوا وحدهم. تصدى لهم الشعب إلى جانب المثقفين، وتدخلت قوات الأمن فى الوقت المناسب. حينها ازداد يقينى بأن النهاية اقتربت، وأن ثورة شعبية كبرى باتت على الأبواب، ثورة سوف تزيح هذه الجماعة من المشهد كما أزاح المصريون قبلها الغزاة والمحتلين عبر تاريخهم الطويل.
ومن أجمل ما فى ثورة 30 يونيو أنها عبرت عن إرادة شعب كامل بكل فئاته وطوائفه. عمال وفلاحين ومثقفين وفنانين وطلاب وربات بيوت. أتذكر أسماء وشخصيات رأيتها فى الاعتصام لم أتوقع وجودها. بعضهم كان يعانى المرض، لكنه أصر على الحضور. أتذكر الفنان الكبير عزت العلايلى وهو يقف على خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا يهتف ضد الإخوان، بينما كانت الفرقة الموسيقية تعزف خلفه فى إحدى الحفلات الداعمة لاعتصام المثقفين. وكان جمهور المسرح الكبير يردد الهتافات معه.
كل تلك المشاهد كانت تؤكد أن هناك ثورة شعبية تتشكل، وأن نجاحها بدأ يُكتب منذ اللحظة الأولى التى انطلقت فيها الشرارة من دار الأوبرا المصرية. نعم، كان قرار إقالة إيناس عبدالدايم هو الشرارة التى أشعلت ثورة المثقفين. لكن الحقيقة التى اكتشفها الجميع بعد ذلك أن القضية لم تكن إيناس عبدالدايم وحدها. القضية كانت مصر. كان الجميع يشعر أن هناك محاولة لأخونة الدولة المصرية، وأن وزارة الثقافة ليست سوى البداية. والمفارقة أن جماعة الإخوان كانت تطلق على وزارة الثقافة اسم «وزارة الرقص». تخيلوا! ولهذا رفض العاملون بالأوبرا القرار، وأعلنوا الاعتصام. وكانت البداية بإلغاء عرض أوبرا عايدة.
فى تلك الليلة وقف ما يقرب من ألف فنان وإدارى من أبناء الأوبرا على خشبة المسرح، حاملين اللافتات الرافضة للإخوان. فُتح الستار ليظهر هذا المشهد التاريخى أمام الجمهور. وما إن بدأت الهتافات حتى انضم إليها الحاضرون.
كانت رسالة قوية إلى العالم كله. ومن قلب دار الأوبرا أعلنت مصر رفضها لحكم الجماعة. والأجمل أن الجمهور رفض استرداد قيمة تذاكر العرض الملغى، رغم إلغاء أوبرا عايدة، حتى تسبب الأمر فى أزمة مالية وإدارية بسبب ضرورة تسوية المبالغ مالياً. أما مشهد الألف فنان وإدارى فقد تحول إلى حديث الفضائيات ووسائل الإعلام داخل مصر وخارجها.
ولا يمكن الحديث عن تلك المرحلة دون الإشارة إلى مواقف عدد من الرموز الوطنية. الفنان عمر خيرت علق حفلاته دعماً للاعتصام. والزعيم عادل إمام أعلن دعمه الكامل للمثقفين والفنانين. والفنان رمزى يسى واصل معركته من باريس. والفنان العالمى يحيى خليل علق حفلاته وخرج عبر الفضائيات معلناً رفضه لحكم الإخوان ودعمه لحركة المثقفين. وكان من رموز الاعتصام أيضاً المايسترو ناير ناجى، والدكتور هشام جبر، والفنان ناصر عبدالمنعم، والمخرج عصام السيد، والفنان عبدالوهاب السيد، وشباب المسرح الحر، وعازفو الأوركسترا الذين عزفوا السلام الوطنى فى شارع شجرة الدر بالزمالك أثناء محاصرة الوزير الإخوانى.
كما شاركت فرق الموسيقى العربية والباليه ومغنو فرق الأوبرا والفنانون التشكيليون ونجوم المسرح القومى، وانضم العاملون بالمركز القومى للترجمة والمجلس الأعلى للثقافة وصندوق التنمية الثقافية.
حاول الوزير الإخوانى المساومة. لكن الجميع رفض. لأن الجميع اكتشف أن القضية لم تعد منصباً يُسلب من إيناس عبدالدايم، وإنما وطن يُراد اختطافه لحساب جماعة. ومن هنا جاء القرار بالانتقال من الأوبرا إلى مقر وزارة الثقافة. وكان لا بد من إيجاد طريقة سلمية للدخول. فجاءت الفكرة بأن يذهب وفد من كبار الفنانين بحجة تهنئة الوزير الجديد.
وبمجرد فتح الأبواب أعلن الفنانون الاعتصام داخل الوزارة، فيما أحاط الشباب بالمبنى من الخارج. أمام هذا المشهد اضطر الوزير إلى الهروب من الباب الخلفى. وخلال تلك الأيام انضمت فرق الفنون الشعبية وأبناء السيرك القومى إلى الاعتصام، كما انضم مئات المواطنين من أبناء الشعب المصرى. وبدأت دور أوبرا عالمية، بينها أوبرا فيينا وأوبرا باريس، تعلن دعمها لفنانى وإداريى دار الأوبرا المصرية. وانهالت طلبات القنوات الفضائية العالمية لإجراء مقابلات مع الدكتورة إيناس عبدالدايم. أتذكر أنها كانت تتحرك أحياناً وسط موكب من السيارات لحمايتها أثناء توجهها لإجراء اللقاءات الإعلامية، خاصة بعد تصاعد التهديدات.
وكان المشهد داخل مدينة الإنتاج الإعلامى يضم نحو 14 سيارة ترافقها. ومن بين أبرز الفنانين الذين شاركوا فى الاعتصام: جلال الشرقاوى، محمد فاضل، نبيل الحلفاوى، سامح الصريطى، أحمد عبدالعزيز، فردوس عبدالحميد، خالد يوسف، عزت أبوعوف، يسرا، إلهام شاهين، الدكتور محمد العدل، جمال العدل، الدكتور أحمد مجاهد، أحمد حلمى، كريم عبدالعزيز، غادة عادل، رجاء الجداوى، خالد صالح، آثار الحكيم، الفنان التشكيلى محمد عبلة، أحمد شيحة، سامح مهران، المخرج مجدى أحمد على، الكاتب الكبير بهاء طاهر، الكاتبة الكبيرة فتحية العسال، الفنان هانى حسن، والراحل محسن فاروق، إلى جانب أعداد كبيرة من العاملين بوزارة الثقافة. ولعب سكان الزمالك دوراً استثنائياً فى تلك الملحمة. فى البداية قدموا أدوات النظافة للمعتصمين للحفاظ على نظافة الجزيرة ورونقها. وكان من المشاهد اللافتة أن شخصيات وقامات ثقافية كبيرة كانت تمسك المكانس وتنظف الشوارع بنفسها. ثم تطور الدعم ليشمل الطعام والشراب واللافتات والمساندة المعنوية والنفسية.
وكان المشهد يتسع يوماً بعد يوم. وأصبح من الواضح أننا أمام ثورة حقيقية أطلق شرارتها المثقفون وقادها أبناء دار الأوبرا، واحتضنها الشعب المصرى. وبمرور الوقت تحول الاعتصام إلى مساحة حياة جديدة. الفن الذى أراد الإخوان محاصرته أصبح هو سيد المشهد. أقيم مسرح أمام البوابة الرئيسية للوزارة. وكان الفنان هانى حسن يقدم عروضاً من أشهر أعمال الباليه العالمية، ومنها «زوربا». وقدمت الفنانة نسمة عبدالعزيز عروضها المميزة على آلة الماريمبا. وعزفت الدكتورة إيناس عبدالدايم مقطوعات على آلة الفلوت. وغنت الفنانة إيمان مصطفى آريات من أشهر الأوبرات العالمية. وقدمت فرق الشباب عروضاً مسرحية متنوعة. وكان الشعراء يلقون قصائدهم يومياً. وفوجئ الجميع بأهالى إمبابة وأبوالعلا يتوافدون مساءً لمشاهدة العروض الفنية والتعبير عن تضامنهم مع المعتصمين. وكانت مشاهد التكاتف الإنسانى مدهشة.
أهالى المنطقة كانوا يلقون الملبس والطعام للمعتصمين. وفى إحدى المرات، تزامن الاعتصام مع مباراة مهمة، فقام أحد السكان بمد وصلة دش من منزله حتى يتمكن الجميع من مشاهدة المباراة. وكان الشباب يتولون حماية الاعتصام ليلاً ونهاراً. وكنت أشعر دائماً أن هناك من يحمى هذا التجمع الوطنى الكبير بعد الله سبحانه وتعالى. لم أرهم بعينى، لكننى كنت أشعر بوجود حراس للوطن بيننا. ولأن الاعتصام بدأ يهز صورة الجماعة أمام العالم، لجأ الإخوان إلى سلاحهم المعتاد وهو التشويه. فنشروا صورة مفبركة لشباب المعتصمين وهم يلفون سجائر، وروجوا أنها سجائر حشيش. لكن الكذبة سقطت سريعاً. كما لا يمكن نسيان مشهد صلاة الجمعة أمام وزارة الثقافة. لم يكن الهدف منه توجيه رسالة سياسية، بل لأن المكان داخل الاعتصام كان ضيقاً، فصلى المعتصمون فى الشارع وأحضروا خطيباً حتى لا يضطروا إلى مغادرة موقع الاعتصام. بدأ الاعتصام فى الخامس من يونيو، بالتزامن مع الإجازة الصيفية. ولهذا تحول إلى مقصد للأسر المصرية.
كانت العائلات تأتى لدعم المعتصمين، وفى الوقت نفسه كان الأطفال يتعلمون الرسم ويشاهدون عروض الباليه والمسرح والموسيقى والغناء. أصبح الاعتصام رسالة للعالم كله بأن المصريين شعب يحب الفن والثقافة والجمال، ولن يقبل بمحاولات مصادرة الإبداع أو محاصرته. لقد رسم المصريون فى 30 يونيو واحدة من أعظم ملاحم الصمود الوطنى. ومن هنا كانت البداية الحقيقية لاستعادة الدولة المصرية. ومن هنا بدأت رحلة عودة مصر من جديد. ومن هنا أثبت الشعب المصرى أن الثقافة ليست رفاهية، وأن الفن ليس ترفاً، وأن الدفاع عن الهوية الوطنية قد يبدأ أحياناً من خشبة مسرح، أو من نغمة موسيقية، أو من اعتصام لفنانين ومثقفين، لكنه ينتهى دائماً بانتصار الوطن. ولهذا، وبعد كل هذه السنوات، أقولها بثقة: كنت هناك... وكنت شاهد عيان على الشرارة الأولى لثورة 30 يونيو.