محمود الجارحي يكتب: هشام بركات.. شهيد العدالة وقاضي الوطن الذي لم ينحنِ للإرهاب

كتب: محمود الجارحي

محمود الجارحي يكتب: هشام بركات.. شهيد العدالة وقاضي الوطن الذي لم ينحنِ للإرهاب

محمود الجارحي يكتب: هشام بركات.. شهيد العدالة وقاضي الوطن الذي لم ينحنِ للإرهاب

في صباح الاثنين 29 يونيو 2015.. ارتدى المستشار هشام بركات.. نائب عام مصر.. بدلته الرسمية بعناية كعادته.. عدّل ربطة عنقه.. أمسك بأوراقه.. ثم غادر منزله بشارع عمار بن ياسر في منطقة النزهة بخطوات هادئة وثابتة.. كانت ملامحه تحمل وقار القاضي وهيبة المسؤول.. فيما لم تفارق وجهه ابتسامته الهادئة التي اعتادها زملاؤه وكل من عرفه عن قرب.

رجل هادئ الطباع.. قليل الحديث.. شديد الانضباط.. لا يعرف التردد طريقًا إليه.. كان يدخل مكتبه مبكرًا.. ويتابع أدق التفاصيل بنفسه.. مؤمنًا بأن العدالة رسالة.. وأن القانون هو الحصن الأخير للدولة في مواجهة الفوضى والإرهاب.

لم يكن يدرك أن تلك الدقائق القليلة ستكون الرحلة الأخيرة في حياته.. وأنه بعد ساعات قليلة سيتحول من نائب عام يقود معركة العدالة إلى واحد من أبرز شهداء الوطن.

ولد المستشار هشام بركات في 21 نوفمبر 1950.. وتخرج في كلية الحقوق عام 1973 ضمن دفعة عُرفت باسم «دفعة النصر».. بدأ مشواره القضائي وكيلاً للنائب العام.. وتدرج في المناصب المختلفة حتى أصبح رئيسًا بمحكمة الاستئناف.. ثم رئيسًا للمكتب الفني بمحكمتي استئناف الإسماعيلية والقاهرة.. قبل أن يتولى منصب نائب عام مصر في يوليو 2013.

وخلال فترة توليه المنصب.. تصدى لأخطر الملفات والقضايا التي شهدتها البلاد بعد عام 2013.. وأحال آلافًا من قيادات وعناصر جماعة الإخوان الإرهابية إلى المحاكمة في قضايا تتعلق بالإرهاب.. وقتل رجال الشرطة والمدنيين، واستهداف مؤسسات الدولة.. لم يرضخ للتهديدات.. ولم يتراجع عن أداء واجبه، وكان يدرك أن الثمن قد يكون حياته نفسها.

الرحلة الأخيرة

في ذلك الصباح.. استقل نائب عام مصر سيارته المصفحة متجهًا إلى مكتبه بدار القضاء العالي.. جلس في هدوء كعادته.. يتابع بعض أوراق العمل.. بينما تحرك موكبه في شوارع النزهة.

وبعد نحو 300 متر فقط من منزله، دوى انفجار هائل.. سيارة مفخخة كانت متوقفة على جانب الطريق انفجرت لحظة مرور الموكب.. فاهتزت المنطقة بأكملها.. وتحولت السماء إلى سحابة كثيفة من الدخان.. والتهمت النيران سيارات الموكب وعددًا من السيارات المتوقفة.

في لحظات.. تبدل المشهد تمامًا.. الرجل الذي خرج من منزله مرتديًا بدلته الرسمية بكامل أناقته.. وابتسامته الهادئة تعلو وجهه.. أصبح يصارع الموت داخل سيارة الإسعاف.

نُقل المستشار هشام بركات إلى مستشفى النزهة الدولي.. وخضع لعملية جراحية عاجلة.. لكن إرادة الله كانت أسرع.. ليرتقي شهيدًا عن عمر ناهز 65 عامًا.. ويسقط أحد أهم رموز العدالة برصاص الإرهاب وغدره.

القصاص من القتلة

لم يكن اغتيال نائب عام مصر استهدافًا لشخص فحسب.. بل كان محاولة لضرب الدولة المصرية ومؤسساتها القضائية.. بدأت أجهزة الأمن رحلة البحث عن الجناة.. وتحركت فرق البحث والتحريات في سباق مع الزمن حتى تم كشف خيوط الجريمة.. وتحديد العناصر المتورطة في التخطيط والتنفيذ.. وضبط المتهمين.. واعترف المتهمون بتفاصيل العملية الإرهابية والأدوار التي قام بها كل منهم، وأُحيلوا إلى المحاكمة الجنائية.. التي انتهت إلى صدور أحكام رادعة بحقهم.. وفي 20 فبراير 2019 تم تنفيذ حكم الإعدام بحق عدد من الإرهابيين المتهمين في قضية اغتيال المستشار هشام بركات.. لتؤكد الدولة أن دماء شهدائها لا تسقط بالتقادم.. وأن يد العدالة قادرة على الوصول إلى كل من يعتدي على الوطن ورجاله.

وتحل اليوم، 30 يونيو 2026.. الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد المستشار هشام بركات، متزامنة مع ذكرى ثورة 30 يونيو.. الثورة التي انتصرت فيها إرادة المصريين على مخططات الفوضى والإرهاب.. لتؤكد أن معركة الدولة في مواجهة الإرهاب لم تكن سهلة.. وأن رجالًا كثيرين دفعوا حياتهم ثمنًا لبقاء الوطن واستقراره.

وكان المستشار هشام بركات واحدًا من هؤلاء الرجال.. قاضٍ واجه الإرهاب بالقانون.. وظل ثابتًا في موقعه حتى اللحظة الأخيرة.. مؤمنًا بأن العدالة لا تُهزم وأن الدولة لا تنكسر.

رحل المستشار هشام بركات بجسده.. لكن اسمه بقي حاضرًا في وجدان المصريين.. وبقي نائب عام مصر رمزًا للعدالة.. وشاهدًا على أن الأوطان تُبنى بتضحيات أبنائها وتبقى بدماء شهدائها.