ثلاثة أيام صنعت التاريخ.. وحكاية بطل أنقذ وطناً
ليست كل الأيام تُقاس بالساعات، فهناك أيام تصنع تاريخ الأمم، وتبقى علامات فارقة في ذاكرة الشعوب؛ وبين الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو عام 2013، عاش المصريون واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ دولتهم الحديثة، لحظة بدا فيها الوطن واقفاً على حافة المجهول، بينما كانت الملايين تملأ الميادين مطالبة بتصحيح المسار، رافضة استمرار حكم جماعة فقدت القدرة على استيعاب طبيعة الدولة المصرية، وأصرت على تجاهل مطالب الشارع والتعامل معها بمنطق الغلبة لا بمنطق الشراكة الوطنية.
في تلك الأيام الثلاثة، لم يكن المشهد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل كان اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على البقاء، واختباراً لضمير المؤسسة الوطنية التي حملت عبر تاريخها مسئولية حماية البلاد كلما تعرضت لأخطار وجودية.
خرج ملايين المصريين في الثلاثين من يونيو، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الشعبى في تاريخ مصر الحديث، مطالبين بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بعد أن فقدوا الثقة في قدرة السلطة القائمة على إدارة الدولة أو تحقيق التوافق الوطني؛ ولم تكن الرسالة غامضة؛ فقد كانت الجماهير تطالب بإرادتها الحرة بتغيير سياسى يجنب البلاد الانقسام والفوضى.
في المقابل، اختارت جماعة الإخوان الإرهابية طريقاً آخر؛ رفضت الاعتراف بحجم الغضب الشعبى، وتمسكت بالسلطة باعتبارها حقاً لا يجوز التنازل عنه، بينما تصاعدت خطابات التحريض والاستقطاب، وارتفعت نبرة التهديد بأن البديل عن استمرار الحكم سيكون الفوضى والعنف وإشعال البلاد؛ كانت مصر تقترب كل ساعة من نقطة اللاعودة.
وسط هذه اللحظة الفاصلة، وقف الفريق أول عبدالفتاح السيسى، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع - آنذاك-، أمام مسئولية استثنائية؛ لم تكن مسئوليته تجاه مؤسسة عسكرية فقط، وإنما تجاه وطن كامل كان مهدداً بالانقسام، وشعب خرج بالملايين يطلب الحماية لإرادته ومستقبله.
ولم يكن موقف القوات المسلحة وليد تلك اللحظة وحدها، فقد سبقتها محاولات عديدة لإفساح المجال أمام الحلول السياسية؛ حرصت المؤسسة العسكرية على منح الرئاسة آنذاك فرصاً متتالية للوصول إلى توافق وطنى، وأكدت في أكثر من مناسبة أن الحوار هو الطريق الأسلم، وأن الاستجابة لمطالب المواطنين هى الضمان الحقيقى لاستقرار الدولة.
لكن تلك الدعوات قوبلت بالرفض، واستمرت حالة الإنكار السياسى، حتى أصبحت الأزمة تهدد كيان الدولة ذاته، ومن هنا جاءت المهلة التي أعلنتها القوات المسلحة، باعتبارها فرصة أخيرة أمام جميع الأطراف لتحمل مسئولياتها الوطنية والاستجابة لصوت الشعب؛ لم تكن المهلة انحيازاً لطرف ضد آخر، وإنما محاولة أخيرة لتجنيب مصر مصيراً كانت تعيشه دول أخرى غرقت في الحروب الأهلية والانقسامات التي امتدت لسنوات.
لكن عندما انتهت المهلة دون استجابة، كان لا بد من اتخاذ القرار الذي فرضته إرادة ملايين المصريين، حفاظاً على الدولة ومنعاً لانزلاقها إلى الفوضى.
في الثالث من يوليو، جاء البيان التاريخى للقوات المسلحة، ليعلن خارطة طريق جديدة استندت إلى مطالب الجماهير، وبحضور ممثلين عن القوى الوطنية والدينية والشبابية، في مشهد عكس أن القرار لم يكن قرار مؤسسة منفردة، بل استجابة لإرادة شعبية واسعة أرادت استعادة الدولة وإنقاذها من الانقسام.
وكانت العبارة التي أكدتها القوات المسلحة آنذاك، بأنها لم ولن تكون إلا مع الشعب، تعبيراً عن عقيدة راسخة داخل الجيش المصرى، الذي ظل عبر تاريخه يعتبر نفسه جزءاً من الشعب، لا ينفصل عنه، ويحمل مسئولية الدفاع عن أمنه واستقراره.
غير أن ما بين الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو لم يكن مجرد انتقال سياسى، بل كان أيضاً زمناً للبطولة وتحمل المسئولية؛ فقد كان الفريق أول عبدالفتاح السيسى يدرك أن القرار الذي يتخذه يحمل مخاطر هائلة، وأن الجماعة التي رفضت الاحتكام للإرادة الشعبية لن تتردد في استخدام كل وسائل التصعيد؛ وبرغم ما أحيط بالمشهد من تهديدات وضغوط، مضى في تنفيذ ما اعتبره واجباً وطنياً، واضعاً مصلحة الدولة فوق أى اعتبارات أخرى.
لقد حمل الرئيس عبدالفتاح السيسى مسئولية تاريخية ثقيلة، واضعين أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن الوطن، في لحظة كانت تتطلب شجاعة القرار بقدر ما كانت تحتاج إلى الانضباط وضبط النفس، حتى لا تنجر البلاد إلى مواجهات واسعة أو اقتتال داخلى.
ولم يكن الثمن الذي دفعته القوات المسلحة بعد ذلك قليلاً، إذ واجهت مصر موجة عنف وإرهاب استهدفت المواطنين ورجال الجيش والشرطة والمنشآت العامة، وسقط مئات الشهداء دفاعاً عن حق المصريين في الحياة الآمنة، بينما خاضت الدولة معركة طويلة لاستعادة الأمن والاستقرار، مؤكدة أن الحفاظ على الوطن لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالتضحيات.
لقد أثبتت تلك الأيام أن شرف المؤسسة العسكرية المصرية لم يكن يوماً في البحث عن سلطة أو مكسب سياسى، وإنما في أداء واجبها الدستورى والوطنى عندما أصبحت الدولة نفسها في خطر، كما أثبتت أن القرارات الكبرى لا تُقاس بما تحمله من مكاسب آنية، وإنما بما تمنع وقوعه من كوارث كان يمكن أن تدفع البلاد ثمنها لعقود.
وبين الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو، سطر المصريون صفحة استثنائية من تاريخهم، صفحة امتزج فيها صوت الجماهير مع مسئولية الدولة، والتقت فيها إرادة الشعب مع مؤسسة وطنية اختارت أن تتحمل عبء القرار في واحدة من أكثر اللحظات حساسية.
ويبقى التاريخ شاهداً على أن الأوطان تمر أحياناً بلحظات فارقة، تحتاج إلى رجال يدركون حجم المسئولية، ويتقدمون لتحملها مهما كانت التحديات؛ ففي تلك الأيام، كانت مصر أمام مفترق طرق، وكان الحفاظ على الدولة هو العنوان الأكبر، وهو ما جعل تلك الفترة تظل حاضرة في الذاكرة الوطنية باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية المصرية الحديثة.