الناقد الأدبي المظلوم الأبدي (1)
تحتاج النصوص الأدبية دوماً إلى من يلتفت إليها من النقاد، فهذا يسعد كاتبها، دون شك، ولا يبدو في استغناء عنه مهما زعم غير ذلك، أو كان تعويله على القارئ بالدرجة الأساسية، باعتباره المقصود الأول بالكتابة، إن اعتبرنا النص سلعة هو مستهلكها، أو رسالة موجهة إليه، أو قطعة فنية جميلة عليه أن يُحسن تذوقها، وينفعل بها.
فرغم أهمية القارئ بالفعل فإن أغلب الكتاب يعلقون آمالاً عريضة على النقاد، مرة لأنهم قراء متخصصون، أو أكثر وعياً وفهماً للأدب، ومرة لأنهم وسيط مهم بين الكاتب والقارئ، وثالثة لأن ما يجودون به من نقد يسهم، إن كان عميقاً مخلصاً، في تطور الكتابة، ودفعها إلى الأمام، وفي إعلاء شأن كاتب، وتشجيعه على مواصلة الإبداع.
ويدرك منتجو النصوص الأدبية أن هناك نقاداً قد ساهموا في دفع أدباء إلى الأمام. ويُضرب هنا مثل ناصع بالدور الذي لعبه رجاء النقاش (1934 - 2008) في تعريف القراء بالأديب السودانى البارز الطيب صالح، حين تحمس لنشر روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» منجمة في مجلة «الهلال»، التي كانت وقتها توزع بإفراط في العالم العربى من المحيط إلى الخليج. وفيها أيضاً قدم الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش، ورفع اسمه بين الشعراء العرب.
وظل «النقاش» في كتاباته النقدية الصحفية، يصنع بقعة ضوء طالما أنارت حول أسماء، أو لفتت الانتباه إلى نصوص، حتى صار معتمداً عند قراء كثيرين، ينتظرون رأيه كى يقرروا اقتناء رواية أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر وقراءته، وشاركه هذه المهمة الناقد الكبير فاروق عبدالقادر (1938- 2010) الذي اُشتهر بين الكتاب والقراء بأنه قاطع كالسيف، صاخب كالرعد، لا يوارب، ولا يجامل، فإن مدح نصاً عده القراء جيداً، والعكس صحيح، إلى حد كبير.
وصارت لدينا الآن خمسة أنواع من النقاد، الأول هو الناقد الأكاديمى المتخصص في دراسة الأدب واللغة، وهو جامعى كرس أطروحتى الماجستير والدكتوراه وأبحاث الترقى اللاحقة لدراسة النصوص والظواهر والأفكار الأدبية، وينشر أبحاثه ودراساته النقدية في دوريات معتبرة، وقد ينشر مقالات نقدية منتظمة أو متقطعة في صحف ومجلات، تستهدف القارئ العام.
وإنتاج الناقد الأكاديمى من الكتب يأتى متنوعاً، فقد يُكرّس كتاباً عن أديب واحد أو عمل أدبى واحد، أو يجمع في كتاب عدة دراسات متجانسة عن عدد من الكُتَّاب، أو يكون مؤلفاً عن قضية أو ظاهرة أو رؤية أو مقاربة واحدة يبحثها في عدة نصوص. ويمكن أن يضم كتاب عدداً من المقالات التي نشرها الناقد في صحف ومجلات حول أعمال عدة، قد يكون بينها تجانس في النوع، كأن تدور حول روايات أو مجموعات قصصية، أو دواوين شعرية، أو مسرحيات، أو نصوص عابرة للأنواع، وقد يأتى هذا التجانس من التيمة التي تحملها النصوص أو القضايا والأفكار والشواغل التي تثيرها.
والثانى هو الباحث في اللغة والأدب، فمثل هذا قد يكون مختصاً بأشياء تعنى اللغة، كصوتياتها أو أجروميتها أو أصولها أو مقارنتها بلغات أخرى، ويمكنه هنا أن يتعامل مع النصوص الأدبية كمادة استعمالية أو تحليلية لتخدم مقارباته المتخصصة.
وقد يكون مثل هذا الناقد مختصاً في مساقات معرفية وعملية أخرى يقارب الأدب من زاويتها، مثلما يفعل المختصون في علم اجتماع الأدب، وعلم اجتماع الرواية، ودارسو الفلسفة والسياسة والتاريخ والجغرافيا الثقافية والموروث الشعبى وعلم النفس، لا سيما الجانب الإبداعى فيه. وقد ظهرت مئات الكتب العربية لهؤلاء، وسعوا فيها من مجال النقد الأدبى، بإضاءة جوانب متعلقة بسياقات النصوص ومضامينها التي تخدم مختلف هذه الفروع في العلوم الإنسانية.
أما الثالث فهو الكاتب الصحفي المهتم بالثقافة والأدب، الذي يعرض النصوص، وقد يأتى على نقدها خفيفاً، وتغلب الانطباعية على رؤيته، لكن قد لا تخلو معالجته أحياناً من اكتشاف نقاط مختلفة ومدهشة داخل النص، مثلما رأينا في كتابات عدة.
والرابع هو الأدباء أنفسهم الذين رأيناهم يكتبون عن أعمال بنى دربهم، ويقدمون إضاءات لافتة حولها، مستخدمين في هذا خبرتهم السردية. وقد تعدد أصحاب هذا الاتجاه إلى درجة أنهم باتوا يشاركون النقاد المحترفين في الكتابة حول روايات وقصص ومسرحيات وأشعار، وبلغ بعضهم في هذا المضمار شأناً ظاهراً، لدرجة أن هناك من يثنى على كتاباتهم ويراها أكثر سلاسة، وتنفذ مباشرة إلى روح النصوص، متخففة من مقتضيات نظريات الأدب وأعبائها.
أما الخامس فهو المثقف العام المتذوق للأدب، والذي يعتبره أحد روافد المتعة والفائدة، فإن انفعل بنص أعمل فيه قلمه، مسجلاً خلاصة انفعاله أو انطباعه في مقال قصير أو طويل أو حتى دراسة كاملة، يسعى إلى نشرها في منبر ما. ويمكن في هذا المسار أن يحضر قراء الأدب أنفسهم، الذين يبدون تعليقاتهم على النصوص الأدبية في ندوات ومؤتمرات، أو يدونونها في تعليقات على منصات القراءة بشبكة الإنترنت، أو مواقع التواصل الاجتماعى الإلكترونى.