صناعة الوهم
ظني أن صناعة الوهم تُعد من أكثر الصناعات انتعاشاً على مستوى العالم، خصوصاً داخل دول العالم الثالث، حيث يبدو المواطن أقل وعياً، وشديد الميل إلى التفكير في ما وراء الواقع، بسبب قسوة الواقع الذي يعيش فيه، بالإضافة إلى عدم وجود تاريخ له مع الحقائق الصادقة، مثلما هو تاريخه مع الأكاذيب التي يتنفّسها كما يتنفس الهواء. نحن إذن أمام 3 أسباب تؤدى إلى انتشار الأوهام واستسلام الناس لها: قلة الوعي، وقسوة العيش، وغياب الحقائق.
الوعي يعنى ببساطة مجموعة المدركات التي يختزنها عقل الفرد حول موضوع معين، هذا الموضوع قد يكون قضية أو شخصاً أو مؤسسة أو جهة أو ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً، حيث تساهم المدركات المتعلقة بالموضوع في تحديد تصورات الفرد عنه. ومؤكد أن هناك عوامل تساهم في تكوين الوعي الإنسانى، مثل: التعليم، والإعلام، والثقافة، والملاحظة الجيدة للواقع، وتنوع التجارب، وتراكم الخبرات، وغير ذلك.
ويظن البعض أن التعليم يُعد العامل الأبرز في بناء الوعي، يليه في ذلك الإعلام، وهو ظن يحتاج إلى نوع من المراجعة. فالتعليم الذي ينتج المعرفة ويطور قدرة العقل على التفكير والتحليل واستخلاص النتائج هو التعليم القادر على بناء الوعي، أما التعليم الذي يتأسس على حشر المعلومات المتشظية غير المترابطة، وتجميد العقل، وعدم دفعه إلى التشغيل، لا يصنع وعياً، بل يعطل قدرة المصادر الأخرى لتشكيل الوعي عن القيام بأدوارها. فالتعليم غير الجيد يعيد الفرد إلى الوراء، لأن ضرره أكثر من نفعه، وقد لا يكون من المبالغة أن نقول إن «قلته أفضل».
أما الإعلام ووسائله كرافد لتشكيل الوعي، فهو حاضر بشكل كبير في حياة الكثير من الشعوب، فالناس تتأثر بالمعلومات التي تتلقاها عبر وسائل الاتصال التي تحيط بها من كل اتجاه، ورغم أهمية الإعلام وتعدّد وظائفه في الحياة، إلا أنه قد يضر بالوعي. فالإعلام الصادق الذي يقدم معرفة متماسكة ومتكاملة حول الأحداث التي تحيط بالفرد هو القادر على صناعة الوعي، أما الإعلام الذي يُقدّم المعلومات المتناثرة التي تبيع المعرفة بالقطعة، تبعاً للمكسب المتوقع لكل قطعة، فضرره أكثر من نفعه أيضاً، لأنه يؤدى إلى «تشويش الوعي».
الوعي هو العامل الأهم في تحسين قدرة الفرد على الاختيار وعلى الحكم على الأشياء، وهو يرتكز على «المعرفة الدقيقة المتماسكة»، فإذا غابت ظهر دور الخبرات الفردية، وعمق التجربة الحياتية، ودقة الملاحظة. لقد كانت نسبة الأمية في مصر ما قبل يوليو 1952 من 80% - 86%، وقد انخفضت بشكل ملحوظ بعد الثورة، وزادت نسبة المتعلمين، وتضاعفت أعداد حملة الماجستير والدكتوراه، ومع ذلك يزعم البعض أن منسوب وعى المواطن في العصر الملكى كان مرتفعاً، قياساً إلى مستوى وعيه خلال العصر الجمهورى، لأن التعليم والإعلام قبل الثورة كانا يرتكزان على أسس مهنية احترافية، أما بعدها فقد استندا إلى أسس تعبوية ترويجية، تجعل الإنسان أكثر استعداداً للاستسلام للأوهام.
المتحررون من الأمية اليوم أميل إلى السقوط في فخ الخداع باسم الدين وباسم الدنيا وبأسماء أخرى كثيرة!