سامح فايز يكتب: شائعات الانهيار والإخوان
سامح فايز يكتب: شائعات الانهيار والإخوان
أبدأ بسؤال يبدو بسيطاً: متى يمكن أن نصف اقتصاد دولة بأنه ينهار؟ هل يكفى ارتفاع الأسعار؟ أم زيادة الدين؟ أم تراجع إيرادات قطاع بعينه؟ أم أن الاقتصاد، بطبيعته، أكثر تعقيداً من أن يُختزل فى مؤشر واحد أو خبر واحد؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة عند متابعة الخطاب الإعلامى لجماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة، إذ يلاحظ المتابع أن كلمة «الانهيار» أصبحت من أكثر الكلمات حضوراً عند تناول أى ملف اقتصادى يتعلق بمصر، حتى بدا وكأن النتيجة معروفة سلفاً، بينما تُستخدم الأخبار والأرقام فقط لإثباتها.
تتبع طريقة بناء هذه الرواية ستكتشف أنها لا تعتمد، فى الغالب، على اختلاق الوقائع بقدر ما تعتمد على اختيارها. فارتفاع سعر سلعة، أو زيادة خدمة من الخدمات، أو تراجع إيرادات قطاع اقتصادى، كلها وقائع قد تكون صحيحة فى ذاتها، لكن الإشكال يبدأ عندما تُنتزع من سياقها، وتُعرض باعتبارها الدليل الوحيد على حالة الاقتصاد بأكمله.
هنا لا يعود الخبر هو المشكلة، وإنما طريقة تقديمه، فالاقتصاد بطبيعته مجموعة من المؤشرات المتشابكة، نمو واستثمار وصادرات واحتياطى نقدى وسوق عمل وتضخّم وعجز مالى ودين عام، ولا يمكن اختزال هذه الصورة المركبة فى مؤشر واحد، مهما بلغت أهميته.
اقرأ ما تنشره المؤسسات الاقتصادية الدولية عن مصر، ستجد أنها لا تُنكر وجود تحديات حقيقية، بل تشير إليها بوضوح، سواء ما يتعلق بالتضخّم أو تكلفة التمويل أو تأثير الاضطرابات الإقليمية على التجارة والسياحة.
لكن هذه التقارير نفسها تتناول، فى الوقت ذاته، مؤشرات أخرى مثل معدلات النمو، أو تدفّقات الاستثمار، أو برامج الإصلاح، أو توقعات المؤسسات المالية بشأن الأداء الاقتصادى. أى إنها تقدم صورة مركبة، تسمح بالنقد كما تسمح برصد التحسّن.
أما الخطاب الذى يبحث فقط عن إثبات «الانهيار»، فإنه يتعامل مع المؤشرات الإيجابية باعتبارها استثناءً أو مؤقتة، بينما تتحول المؤشرات السلبية إلى دليل نهائى لا يقبل النقاش.
لاحظ أيضاً أن رواية الانهيار لا تستهدف المختصين فى الاقتصاد، لأن هؤلاء يدركون أن تقييم أداء اقتصاد بحجم الاقتصاد المصرى لا يتم عبر خبر يومى أو رقم منفرد.
المستهدَف الحقيقى هو المواطن العادى، الذى يتابع الأخبار وسط ضغوط الحياة اليومية، ويكوّن انطباعه من العناوين السريعة والمقاطع القصيرة.
ولهذا يجرى التركيز على مفردات ذات أثر نفسى مباشر، مثل «الانهيار»، و«الإفلاس»، و«السقوط»، لأنها تترك أثراً أسرع من أى تحليل اقتصادى طويل، حتى لو كانت أكثر افتقاراً إلى الدقة.
انتبه إلى أن هذا النمط من الخطاب لا يقتصر على الحالة المصرية، بل يعرفه علم الاتصال والإعلام تحت مفهوم «التأطير»، أى الطريقة التى يُقدَّم بها الحدث بحيث يدفع المتلقى إلى تفسيره فى اتجاه معين، فالخبر نفسه قد يُقرأ بوصفه أزمة مؤقتة، أو تحدّياً يمكن التعامل معه، أو دليلاً على فشل شامل، حسب الإطار الذى يُوضع فيه، ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل نقرأ الوقائع كما هى، أم كما يراد لنا أن نراها؟
لا يعنى ذلك التقليل من أثر التحديات الاقتصادية التى يواجهها المواطن، فهذه التحديات حقيقية ولا يجوز إنكارها أو التهوين منها، لكن الاعتراف بها شىء، وتحويلها إلى دليل دائم على انهيار الدولة شىء آخر، فالاقتصادات تمر بدورات صعود وهبوط، وتتأثر بعوامل داخلية وخارجية، ويختلف تقييمها باختلاف مجموع المؤشرات، لا باختيار أكثرها إثارة للقلق. ولهذا فإن القراءة الرصينة لا تبدأ من النتيجة، ثم تبحث عن الأدلة، وإنما تبدأ من الوقائع، ثم تصل إلى النتيجة التى تسمح بها هذه الوقائع.
اختم بالنظر إلى ما وراء الخبر، فستكتشف أن القضية لم تعد تتعلق برقم هنا أو مؤشر هناك، وإنما بصناعة تصور ذهنى متكامل عن المستقبل. وحين يقتنع المواطن بأن الانهيار حتمى، فإن أى خبر إيجابى سيفقد قيمته، وأى محاولة للإصلاح ستُقرأ باعتبارها بلا جدوى.
وهنا تتحقق الغاية الأساسية لهذا النوع من الخطاب، ليس لأن الاقتصاد انهار بالفعل، وإنما لأن الثقة فى قدرته على التعافى تصبح هى الأخرى موضع شك.
وربما لهذا السبب تستحق رواية «الانهيار» أن تُناقَش باعتبارها خطاباً إعلامياً يحتاج إلى تفكيك، لا مجرد رأى اقتصادى يمكن الاختلاف حوله.