من الخطابات الملونة إلى الـ«ai»
فى أفلام السينما القديمة وعصر الأبيض والأسود فى خمسينات وستينات القرن الماضى كانت المشاعر راقية والأحلام فى متناول الجميع والتعبير عن الإعجاب والحب يبدأ بنظرات حالمة وساحرة وساحبة ولم يعرف جيل هذه الفترة التجاوزات ولا القفز فوق الأعراف والعادات والتقاليد، فقد عاشت هذه الأجيال فوق السحاب بين الأرض والسماء، وظهر ذلك جيداً فى كلمات الأغانى والقصائد الرومانسية وقصص إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى ونجيب محفوظ.
أما الآن ونحن فى القرن الواحد والعشرين فقد اختلفت الصورة تماماً وحتى معانى الكلمات وأصوات المطربين، بعد أن غيَّرت التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي ( ai ) كل أشكال الحياة، خاصة تلك القائمة على التواصل مثل الحب والعلاقات. ففى العقود الماضية، كان الحب يعنى نظرات عابرة، لقاءات صدفة، ورسائل تُكتب بخط اليد وتُخبأ فى الأدراج.
أما اليوم فنحن نعيش فى عالم مفتوح، تلاشت الحدود وبات التواصل أمراً فى غاية السهولة، بِتْنا نعيش فى عالم يمكن فيه العثور على شريك الحياة عبر تطبيق على الهاتف، والتعبير عن المشاعر عبر رموز تعبيرية.
ولهذا يتبادر إلى الذهن السؤال: هل جعلتنا التكنولوجيا أقرب؟ أم أنها أدخلتنا إلى علاقات سطحية وعابرة؟.
بحسب مقال نشرته الكاتبة جوبيل لى على منصة Mediumالتكنولوجيا سهّلت على الناس التعبير عن مشاعرهم، وساعدتهم فى كسر حواجز الخجل، وفتحت لهم فرصاً للتعارف لم تكن ممكنة من قبل. فقد أصبح أمراً معتاداً أن يلتقى شخصان عبر تطبيق مثل Tinder أو Bumble، ثم يتطور الأمر إلى علاقة عاطفية أو حتى زواج.
وبحسب المنصة أظهرت الإحصاءات أن ما يقارب 40% من العلاقات الجديدة تبدأ من خلال الإنترنت. وتوقعت دراسات أن تستمر هذه النسبة فى الارتفاع خلال السنوات القادمة. ولكن طرحت الكاتبة تساؤلاً مهماً: هل تكفى هذه البداية الرقمية لبناء علاقة طويلة الأمد؟ وعدَّت هذا تحدياً حقيقياً.
رصدت الأبحاث تأثيرات واضحة للتكنولوجيا على العلاقات، وفيما يلى أبرزها:
الوقوع فى فخّ المقارنات، فهو عامل شديد الأهمية أثّر على الحب فى العصر الحالى، وهو أن وسائل التواصل الاجتماعى قد تخلق ضغوطاً كبيرة داخل العلاقة. فحين يرى أحد الطرفين صوراً لأزواج آخرين فى رحلات أو مناسبات، قد يبدأ بالمقارنة، مما يضع توقعات غير واقعية على شريكه. وفى النهاية، تتحول العلاقة إلى سباق لإثبات المثالية بدلاً من أن تكون مساحة للصدق والراحة.
- عدم الاستقرار العاطفى
يشير البحث أيضاً إلى أن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، قد يؤثر سلباً على الاستقرار العاطفى، حيث أصبح بعض الأزواج يقضون وقتاً أطول على هواتفهم من الوقت الذى يمضونه معاً. وهو ما يؤدى إلى تراجع متانة العلاقة رغم وجودها ظاهرياً.
- إيجابيات التكنولوجيا على الحب
الصورة ليست قاتمة، فكما للتكنولوجيا آثار سلبية على الحب، كان لها أيضاً بعض الإيجابيات:
- تطور العلاقات عن بُعد
وهذا من الجوانب الإيجابية التى لا يمكن تجاهلها. فالعلاقات التى تفصلها المسافات الجغرافية أصبحت ممكنة بفضل المكالمات المصورة، والتطبيقات التى تسمح بالتواصل الفورى. كثير من الأزواج تمكنوا من الحفاظ على مشاعرهم بفضل التكنولوجيا.
- تنوع سبل التواصل
لم يعد التواصل مقصوراً على خطابات مكتوبة، بينما ثمة أشكال عدة للتواصل قد تعزز العلاقة وتجعلها أكثر جاذبية، مثل الصور والمنشورات وحتى التعليقات. ولكن هذه الوسائل، رغم فاعليتها، لا تستطيع تعويض الحضور الجسدى. فى نهاية المطاف، يظل العناق والجلوس معاً وجهاً لوجه، من العناصر التى لا يمكن تعويضها رقمياً.
فإذا أردت أن تعرف ماذا يفضل شبابنا فى هذه المرحلة فعليك أن تبحث وتسأل وتطبق المعادلات العلمية على إجاباتهم لتعرف هل ما زال منهم مَن يفضل الخطابات الورقية الملونة المعطرة أم الحياة مع الحبيب وسط العالم الافتراضى؟.