«سارة» ابنة قيادي إخواني: تقرير الطب الشرعي أثبت اغتياله برصاصة من المسافة صفر داخل «اعتصام رابعة» بعد مطالبته بانتخابات مبكرة
«سارة» ابنة قيادي إخواني: تقرير الطب الشرعي أثبت اغتياله برصاصة من المسافة صفر داخل «اعتصام رابعة» بعد مطالبته بانتخابات مبكرة
- الإخوان
- جماعة الإخوان
- الإرهاب
- رابعة
- اعتصام رابعة
- تنظيم الإخوان
- قيادات الإخوان
- التربية الجهادية
- السيرة النبوية
- 30 يونيو
لم يكن انخراطها في صفوف الجماعة يوماً نابعاً عن قناعة، ولا كان مجرد وراثة عابرة، بل كان أشبه بتوصيف «أبناء العاملين»، تلك الصيغة التي تجعل من المصير مساراً مرسوماً سلفاً، وبحكم موقع والدها في مستوي قيادي، لم تكن مسألة الخروج عن هذا الإطار «خياراً» مطروحاً من الأساس، إذ جرت العادة في عائلات قيادات الإخوان ألا يسمح للأبناء بالخروج بعيداً عن الفلك التنظيمي، بل يتم غرسهم في قلب الجماعة منذ نعومة أظفارهم، وسواء أدرك الصغار حقيقة ما هم فيه أم غاب عنهم الإدراك، تظل الحقيقة الثابتة أنهم في صلب التنظيم.
من بعد 30 يونيو والتنظيم يتبع استراتيجية «الأرض مقابل الزمن»
صحيح أن «30 يونيو» غيرت كثيراً في أوضاع الإخوان، في بقائهم واستقرارهم، وأحالتهم إلى مربعهم الذي يناسبهم تنظيماً إرهابياً، لكن «سارة» ترصد من موقعها الغريب «ابنة قيادي وعضوة ومنشقة وثائرة»، الاستراتيجية التي يتبعونها من بعد 30 يونيو وحتى الآن، حيث فعلت الجماعة وضعية «الأرض مقابل الزمن»، والتي تعني القبول بخسارة الأرض في مقابل كسب زمن كاف لبناء التنظيم من جديد كما يجب أن يكون، حتى يتمكنوا من العودة مرة أخري تحت ستار تلك الفترة الزمنية.
وتكشف «سارة» عن تكتيك الجماعة في مواجهة انكشاف رجالها أمام الأمن، حيث اتجهوا لاستراتيجية بديلة بالبحث عن عناصر لا تملك ملفات أمنية، مستهدفين الجامعيين أو من كانوا «أشبالاً» وقت أحداث رابعة، فأولئك كانوا أطفالاً ولم ترصد لهم ملفات أمنية، خاصة أنهم ليسوا «أبناء جماعة» بالوراثة، حيث تعتمد قواعد البيانات الأمنية غالباً على الربط العائلي، وتوضح أن الجماعة تستقطب هؤلاء من كل مكان، سواء من النوادي العادية أو المدارس التي تضم مدرسين تابعين لهم، مشيرة إلى أن الرهان الحقيقي للتنظيم الآن ليس على الكبار أو المتعاطفين أو أصحاب المصالح، بل على هؤلاء الصغار الذين يتم إعدادهم.
وتتوقف «سارة» عند «اللعب على العاطفة» كجزء أساسي من إعداد هذا الجيل، مستغلين ذكري رابعة وما ارتبط بها من صور دماء وتجاهل للمنظور الحقيقي لما حدث؛ حيث يتم شحن الأطفال الذين حضروا تلك الفترة بعيداً عن العقل، وتربيتهم بـ«أثر الصدمة» حتى يكبروا ويصبحوا جاهزين للانطلاق في المجتمع.
التنظيم طور أدواته من بعد «30 يونيو».. وقياداته الجدد تعلموا الإعلام والتواصل فى أمريكا وأوروبا
تشرح كيف يرى التنظيم نفسه في «معركة دائمة» مع المجتمع والناس، استناداً لتعاليم حسن البنا التي رسخت أن الجماعة شيء منفصل وفي مواجهة مجتمع وصفه بـ«الجاهل» وحكومات لا تطيقهم، هذا المنطق يبرر لهم استخدام استراتيجيات حربية حتى في فترات السكون الظاهري، بانتظار الظروف المواتية للظهور مجدداً بوجوه جديدة، لكن الأخطر في هذه المرحلة هو «تطوير المناهج»، فالجماعة لم تعد تكتفي بالأساليب القديمة، بل أرسلت أعداداً كبيرة من كوادرها للدراسة في جامعات أوروبية وأمريكية ليتعلموا الإعلام الحديث، ليعودوا بـ«علام أمريكاني» يضمن لهم إدارة إعلامية واعية تتلافى فشلهم.
التربية الجهادية كانت مرتبطة بالسيرة النبوية
وحتى مفهوم «التربية الجهادية» طاله التحديث، فبعد أن كان مرتبطاً بالسيرة النبوية والمعارك التاريخية، أصبح يتضمن الآن دراسة دوريات عسكرية عالمية وأبحاثاً من كليات حربية دولية متاحة برغم ندرتها في الداخل، وتهدف الجماعة من وراء هذا الشحن الثقافي والعسكري المتطور بحسبها إلى بناء كوادر قادرة في المرة القادمة على السيطرة على مفاصل الجيش والداخلية بوعي وتقنية، لتجنب «الحوسة» والارتباك الذي واجهوه في عام 2013 عندما عجزوا عن فرض سيطرتهم الكاملة.
اعتمد التنظيم على الجيل المرفه المولود فى أوروبا وأمريكا لقيادة الجماعة
ترسم «سارة» ملامح «الجيل القادم» للتنظيم، محذرة من أنه جيل مختلف تماماً، فلن يكونوا أولئك الذين «تعفنوا في السجون»، ثم خرجوا ليحكموا، بل نحن أمام جيل مرفه، عاش في أوروبا وأمريكا، فهذا هو المشروع الذي يعملون عليه الآن، بما في ذلك استراتيجيات إخفاء الأموال عبر مؤسسات لم تعرف بعد، تدار بأسماء أشخاص لا توجد عليهم أي شبهة أمنية، ومن خلال «عقود من الباطن» يستحيل معها على الدولة إثبات تبعيتها للتنظيم أو الحجز عليها، إذ لن يخطر ببال أحد أنها تابعة للجماعة.
وتكشف «سارة» عن استخدام التنظيم لما وصفته بـالتمويه، حيث يتركون القيادات المعروفة تتصدر المشهد الإعلامي بخناقاتهم العادية ليتسلي الناس بها ويظنون أن هذه هي الجماعة، بينما تجري عمليات البناء الحقيقية في مسارات أخري، وهي خطة ليست بجديدة عليهم؛ فقد فعلوا شيئاً شبيهاً بذلك أيام «عبدالناصر»، الذي كان يظن أنه مسيطر عليهم تماماً، بينما كانوا يبنون أنفسهم بطريقة ثانية، واليوم يعيد التنظيم إنتاج نفسه وفق ظروف كل دولة، خاصة بعدما «اتحط عليه» في العالم كله، فأصبح مخيراً بين الاستسلام التام أو الاستمرار عبر «غسيل السمعة والأموال وكل شيء»، بحسب وصفها.
محاولات استقطابها من جديد
ورغم البعد الذي مارسته عن الجماعة منذ طفولتها، ومحاولتها الاختلاف عن مسار ابنة القيادي، ما زال التنظيم يحاول استقطابها مجدداً، حيث عرض عليها وعلى والدتها السفر للخارج وتوفير كل سبل الرغد مقابل ادعاء أن تصريحاتها ضد الجماعة كانت تحت ضغط أمني، ومع الرفض المتزايد تتجدد العروض وتزيد الإغراءات لكنها صمدت في وجه كل المحاولات.
تسترجع سارة محمد في ذاكرتها وهي ابنة خمس سنوات، حين كان والداها يصحبانها أسبوعياً للقاء فتيات في مثل عمرها، لم تكن تلك اللقاءات مجرد «لعب أطفال» حيث الفتيات جميعهن من أبناء الأعضاء، وما يجتمعن فيه ليس إلا «أسرة تنظيمية» مصغرة، وإن خلت في ذلك الوقت من المصطلحات المعقدة، كانت إحدي صديقات والدتها، بصفتها التربوية، تتولي تحفيظهن القرآن والحديث معهن في شئون الحياة المختلفة، وفي الجانب الآخر، كان الفتيان يساقون لنشاطات مشابهة، كالخروج لممارسة كرة القدم أو الانضمام لما يعرف اليوم بـ«المخيمات»، التي كانت تحمل آنذاك أسماء أخري، يذهب إليها الصغير مع أصحابه دون أن يدرك من الأمر شيئاً، ودون أن يملك رفاهية الاختيار.

بداية الوعي السياسي
في الصف الخامس الابتدائي، بدأ الشق السياسي يطل برأسه في حياتها؛ لم يعد الأمر مجرد نشاط اجتماعي عابر، بل تساؤلات ملحة فرضتها أجواء انتخابات مجلس الشعب، بدأت تدرك أن ثمة ما يحدث خلف الكواليس، وبدأت تسأل بفضول الطفولة: «ماذا يعني الإخوان؟ ولماذا تتصادم إرادتنا مع مرشحي الحزب الوطني؟»، في ذلك الوقت، لم يكن مرشحو الجماعة يظهرون بهويتهم الصريحة، بل كانوا ينضوون تحت مظلة أحزاب أخري كحزب «العمل»، وفي عمق هذه التنشئة، تبرز مفارقة لافتة في أدوار الوالدين، فالأم كانت حالة استثنائية، لم تنضم للجماعة عن وعي أو قناعة تنظيمية، بل كانت «زوجة عامل» بالمفهوم التبعي، بدأت علاقتها بالتنظيم بعد زواجها من رجل ترقي في السلم القيادي، فصارت صلتها بالجماعة تنحصر في كونها «زوجة الأخ فلان»، ولأن الانتماء لم يكن متجذراً في وعيها، انقطعت صلتها بالتنظيم تماماً وبشكل كلي بمجرد رحيل زوجها، فغابت عنهم وغابوا عنها، وانتهي ذلك الفصل من حياتها بوفاة من كان يربطها به.
لكن الانتماء للجماعة ليس مجرد فكر، بل هو شبكة معقدة تحيط بكل تفاصيل الحياة، فالعمل مرتبط بالتنظيم، والصداقات محصورة في كنف الأعضاء، وحتى الزواج لا يتم إلا داخل الدائرة المغلقة، حيث يستبعد تماماً خيار الارتباط بشريك من خارج هذا الإطار، ومن يقرر كسر هذا الطوق، عليه أن يستعد لدفع الثمن من روحه وحياته؛ فالمجتمع الذي احتضنه طفلاً هو ذاته الذي سيذيقه ألواناً من العذاب النفسي والاجتماعي حال قرر الرحيل.
الانتقام من المنشقين
وتتجلي قسوة التنظيم في أوضح صورها حين يتعلق الأمر بالنساء، فكثيرات ممن اتخذن قرار الخروج واجهن انتقاماً وحشياً تمثل في انتزاع أطفالهن منهن، ففي ميزان الجماعة، الانفصال عن التنظيم يوجب الانفصال عن «الزوج التنظيمي»، الذي لا يقبل بقاء زوجته خارج الصف، فالأمر بالنسبة للرجل داخل الجماعة ليس خياراً شخصياً، إذ يقع هو الآخر تحت مقصلة المحاسبة التنظيمية، فالجماعة تراقب أداء أسرته وتجعله مسئولاً عن «انحراف» زوجته أو أبنائه.
أول صدام مع الفكر التنظيمي
تعود بذاكرتها إلى سنوات طفولتها المبكرة في مدينة «الرياض»، حين كانت في الخامسة من عمرها، لتروي حادثةً شكلت أولي علامات الاستفهام الكبري في وجدانها، كانت تسكن في بناية يقطنها أعضاء الجماعة حصراً، وفي أحد الأيام، اشتري لها والدها هاتفاً لعبة على شكل الشخصية الكرتونية الشهيرة «ميكي ماوس»، كانت فرحتها غامرة بذلك المجسم اللطيف، لكن تلك البراءة اصطدمت فجأة بجدار الأيديولوجيا الصارم، فما إن رأت «الأخوات» الزائرات تلك اللعبة، حتى سارعن بإبلاغ أزواجهن من «الإخوة»، لتثور ثائرة البناية بأكملها احتجاجاً على وجود «روح» في البيت.
لم يكن الأمر مجرد نصيحة عابرة، بل تحول إلى ضغط تنظيمي وإصرار مشحون بـ«موشحات دينية» حول حرمة المجسمات، وبأن وجود هذا «الفأر» الكرتوني سيطرد الملائكة من البيت وينقص من أجر قاطنيه، وتحت وطأة هذا الزجر الجماعي، اضطر الأب لإعادة اللعبة، لتجد الطفلة نفسها أمام تساؤل عبثي ومرير وجهته لهم بصدق فطري: «ما هي مشكلة الخالق مع هذا الفأر؟ ولماذا ينشغل رب السموات السبع بوجود لعبة صغيرة في منزلي؟».
الوصاية على الحياة الشخصية
الفتاة هناك ليست مجرد طفلة، بل هي «واجهة» يقاس عليها نجاح التنظيم في التربية، تخوض معارك لا تنتهي مع «مسئولة الأسرة»، سرعان ما كانت تنتقل إلى المنزل، لم يكن والدها القيادي ليقف محايداً، إذ يضطر لاتخاذ مواقف حازمة تجاهها، ليس فقط اقتناعاً بمنهج الجماعة، بل لأن «ابنة القيادي» يجب أن تكون «قدوة» للآخرين، فإذا عجز القائد عن ضبط بيته، فكيف له أن يقود التنظيم؟.. كانت الوشايات تطاردها في أدق تفاصيل حياتها، مستغلةً قاعدة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لتحويلها إلى أداة للتجسس والوصاية الجماعية، في حقبة التسعينات وبداية الألفية، كانت المعركة محتدمة حول «الخمار» و«الطرحة»، فبينما كان والدها يسمح لها بارتداء الطرحة الطويلة التي تغطي الصدر، كان العرف التنظيمي يقدس الخمار، كانت عيون «الأخوات» تترصدها في الطرقات، ليسارعن بشحن والدها بعبارات مسمومة: «ابنتك قصرت وشاحها اليوم»، «وشاحها مشدود يصف جسدها»، لم تتوقف الوصاية عند حدود الشارع، بل اقتحمت خلوات النساء؛ وتستذكر بمرارة ذلك اليوم الذي شاركت فيه زميلاتها، وكلهن بنات قيادات، الرقص في «حفل حنة» نسائي خالص، لم يشفع لهن غياب الرجال، إذ سرعان ما وصلت الوشاية إلى الآباء مغلفةً بتجويد وافتراء، واصفةً رقصهن بـ«الخليع» الذي لا يجوز شرعاً، بادعاء أن أقصي ما يسمح به للمرأة وسط النساء هو «التمايل الخفيف»، تلك الحادثة «سوّدت» عيشتهن، وجعلتهن عرضة لعقوبات معنوية قاسية، بداعي «تغيير المنكر».
العقاب ووصم الضحية
وحين «ضبطت» وبحوزتها ديوان للشاعر نزار قباني، ذلك الاسم الذي يصنفه قطاع عريض في الجماعة بأنه «لسان الشيطان»، عوقبت بالحبس المنزلي لمدة شهر كامل.. تتذكر الفتاة أنها لم تنج في كنف التنظيم من التحرش، كانت طفلة بنت 10 سنوات، والمتحرش مسئول تنظيمي يبلغ من العمر 25 عاماً. وفي مجتمع يرفض الاعتراف بوجود «التحرش» في صفوفه «المطهرة»، تحول المنطق إلى «وصم الضحية»، وبدلاً من محاسبة المتحرش، قررت الجماعة أن «الخطأ مشترك»، وسعياً وراء إقناعها بذنبها الوهمي، أجبرت الطفلة على قراءة كتاب بعنوان «كيف يتعامل الشباب مع الشهوة»، وكأن عليها وهي في تلك السن الباكرة أن تتحكم في شهوتها كي لا «تغوي» مسئولاً ناضجاً.
في عالم الجماعة، لا تُترك التربية للوالدين وحدَهما، بل هناك «شراكة تنظيمية» قسرية، حيث يتحركُ الأبوان بالتنسيق الدائم مع «المسئولة التربوية» في كل صغيرة وكبيرة، لم يكن العقاب الذي نالته «سارة» شأناً عائلياً، بل كان قراراً توافقياً يهدف إلى صهر الفرد داخل كيان الجماعة، ليكون انتماؤه للتنظيم أسمي وأقوي من روابط الدم، هكذا تجد الفتاة نفسها مشتتة بين «أم» طبيعية و«أم تنظيمية»، في علاقة ملتبسة تفرض عليها ولاءً مطلقاً يتجاوز حدود العائلة الضيقة، ولم يكن الانفصال عن فعاليات الجماعة وأنشطتها «خياراً» يملك المرء رفاهية اتخاذه ببساطة، بل كان معركة ضارية خاضتها «سارة» إبان سنواتها الجامعية، حتى وصل الأمر بوالدها إلى اتخاذ قرار قسري بحبسها داخل جدران المنزل، مانعاً إياها من الخروج إلا في أوقات الامتحانات أو الدروس العملية، فبالنسبة له، الخروج من عباءة التنظيم يعني «ضياع» البنت.
تحذير مبكر من سقوط حكم الجماعة
انضمت «سارة» إلى خندق المواجهة مع المعتصمين في وزارة الثقافة، تراقب عبر الشاشات كلمات «مرسي» التي قوبلت برفع «الأحذية» احتجاجاً، وفي تلك اللحظة العبثية، تواصلت مع والدها الذي لم يكن منشغلاً بمضمون الخطاب بقدر انشغاله بتحليل «لغة الجسد» لوزير الدفاع آنذاك الفريق عبدالفتاح السيسي، فبحكم خبرة الوالد في تدريب القيادات على تحليل تعبيرات الوجه والتحكم في الخطاب، قرأ في نظرات وزير الدفاع حقيقة لم تدركها الجماعة الغارقة في أوهامها، حيث استنتج أن الجيش قرّر التدخّل للانحياز للشعب في الشارع، وليس لحماية «شرعية» الجماعة كما كانت تروج أدبياتهم الإعلامية، وكانت «سارة» شاهدة من الداخل على حالة «العمى التنظيمي» التي أصابت القادة، لم يكتفِ الوالد بالملاحظة، رفع تقريراً عاجلاً إلى قيادة الجماعة ومؤسسة الرئاسة، دعاهم بوضوح إلى إعلان «انتخابات رئاسية مبكرة»، ليكون ذلك مخرجاً يحفظ كرامة التنظيم ويفتح مساحة للتفاوض المستقبلي والمشاركة في الحكومة والبرلمان لاحقاً، لكن المقترح قوبل بصلف تنظيمي غريب.

خلافات حادة قبل فض رابعة
تتذكر «سارة» الأيام التي سبقت فض اعتصام رابعة، تلقت قيادات الجماعة إخطاراً رسمياً يفيد بأن فض الميدان سيتم فجر الأربعاء في تمام الساعة السادسة صباحاً، وأُخبروا بمواقع تجهيز آليات الأمن المركزي والبلدوزرات للتأكد من جدية القرار، في تلك اللحظات الحرجة، عُقد اجتماع في غرفة عمليات رابعة ضم القيادات الميدانية وفريق «خلايا التفكير» الذي ينتمي إليه الوالد، هناك، وبصوت يملأه القلق. نادي الوالد بضرورة فض الاعتصام طواعية حقناً لدماء «أبناء الجماعة»، مناشداً إياهم ألا يتركوا الناس لمواجهة الموت المحتوم، لكن الرد جاء صادماً وبارداً من قلب القيادة، حيث استكثر أحدهم سقوط بضع مئات من الضحايا فداءً لـ«الدعوة»، بينما رأى آخر أن زيادة إراقة الدماء هي الوسيلة الوحيدة لحشد الناس حولهم مجدداً.
بلغ الصدام ذروته داخل الميدان حين انفجرت المواجهة بين الوالد والقيادات، فبدلاً من شكره على نصحه، كالوا له اتهامات الخيانة، وزعموا أن الأمن قد «اشتراه» ليروج لأجندته ويهرب من السفينة التي توشك على الغرق، غادر الوالد الميدان مطروداً ومخوناً، عاد إلى منزله يحمل خيبته، وحجز تذكرة سفره إلى اليمن، حيث كان متعاقداً للعمل كمستشار لتأسيس فرع جامعة هناك، وكان موعد رحيله يوم الجمعة، أي بعد يومين فقط من تاريخ الفض الذي تنبّأ بوقوعه.
روايات متضاربة عن الوفاة
في يوم الفض كانت «سارة» تتابع والدها عبر الهاتف طوال ذلك اليوم العصيب، تسمع دوي الفوضي وضجيج الميدان في الخلفية، ولم يكن انقطاع الخط بين الحين والآخر يثير ريبتها، فقد اعتادت تعثّر الاتصالات في ظل تلك الظروف، لكن الصمت طال هذه المرة، لتبدأ رحلة الفجيعة باتصال تلقته والدتها يخبرهم بإصابته، ثم أعقبه اتصال آخر بكلمة واحدة نزلت كالصاعقة: «استُشهد»، لم تصدق «سارة» الخبر في البداية، جاءت الرواية الأولي لتصنع هالة من البطولة حول الرحيل، أخبروها أنه تلقي رصاصة قناص في جبينه، وأنهم كفّنوه ووضعوه في المستشفى الميداني خلف المنصة، سارع شقيقها عمر إلى الاعتصام للحصول على جثمان والده، ليلتقي برجل يحمل متعلقات والده، سلمه الهاتفين والساعة والنظارة، وحتى حقيبته وحذاءه، مشيراً إليه بأن الجثمان يقبع خلف المنصة، تحرك «عمر» في سباق مع الزمن قبل وصول قوات الداخلية إلى تلك النقطة، لكنه حين بلغ المستشفى الميداني لم يجد أثراً لوالده، وأنكر الأطباء هناك دخول جثمانه أو معرفتهم به، غاب الرجل الذي سلم المتعلقات ورفض إعطاء رقم هاتفه بدعوي ضياعه في الزحام، لكنه ترك خلفه رواية «لطيفة» تزعم أن الوالد نطق الشهادة قبل رحيله، وهي رواية أثارت حيرة «سارة»، فكيف ينطق الشهادة بوضوح ورصاصة القناص قد استقرت في جبينه؟
البحث عن الجثمان
مع حلول حظر التجول، بدأت الجثامين تُنقل إلى مسجد الإيمان، وبدأت «سارة» تلاحق القوائم التي يكتبها النشطاء بأسماء الضحايا، مستعينين ببطاقات الهوية أو الأسماء المكتوبة على الأجساد، سألت الأطباء الذين يعرفون والدها شخصياً، لكن أحداً لم يره، وبرزت فرضية مخيفة بأن يكون جثمانه ضمن تلك الأجساد التي تفحّمت تماماً وفُقدت ملامحها.
استمر البحث طوال يومي الأربعاء والخميس دون جدوي، فجابت ((ياسمين وإخوتها)) المستشفيات والمشرحة، ونشرت إعلاناً عبر «فيس بوك» ببياناته، تأمل في خيط يقودها إليه.. في الساعات الأولي من فجر الجمعة، جاء الاتصال المنشود من شخص ادّعي أنه متطوع في مشرحة زينهم، سألها عن ملابس والدها في ذلك اليوم، وحين تأكد من الأوصاف، أخبرها أن سيارة «نصف نقل» قد أتت وألقت الجثمان في شارع جانبي بجوار المشرحة ثم غادرت، سارعت «سارة» بالتوجه إلى المكان، لتكتشف جثمان والدها ملقي على الرصيف داخل حقيبة جثامين سوداء، وعلى ثيابه، عُلق كارت بدبوس يحمل اسمه الرباعي كاملاً، رغم أن كل أوراقه الثبوتية كانت قد سُلمت لشقيقها من قبل.
لم تكن رصاصة قناص في الجبين كما قيل لهم، بل رأت «سارة» مشهداً مروعاً لوجه متهتك وأشلاء وُضعت بجانبه داخل الحقيبة السوداء، وكان جسده لا يزال ينزف، لتنتهي رحلة البحث بالحقيقة المرة التي خالفت كل الروايات «المنظمة» التي حاولت الجماعة تسويقها عن لحظاته الأخيرة.
بمجرد الدخول إلى غرفة التشريح، تبخّرت كل الروايات «المقدسة» التي حاولت الجماعة نسجها حول اللحظات الأخيرة للوالد، كانت النظرة الأولي للطبيب كفيلة بهدم ادعاء نطق الشهادة، لم تكن هناك رصاصة قناص استقرت في الجبين كما زعموا، فالجبين كان سليماً لا تشوبه شائبة، كشف طبيب التشريح أن سبب الوفاة كان رصاصة أطلقت من مسافة صفر، من مسدس عيار تسعة مليمترات، نفذت من الكتف أسفل الرقبة لتخرج من الخد. إن إطلاق النار من مسافة لا تتجاوز المتر الواحد يضع مئات علامات الاستفهام حول هوية الجاني، خصوصاً أن قوات الداخلية لم تكن قد بدأت فض الاعتصام ولم تصل إلى هذه النقطة من الميدان التي يرتكز فيها قيادات الإخوان.
أسئلة معلقة حتى اليوم
تضاعفت الحيرة مع ملاحظة طبية أخري أثارت دهشة الطبيب، فالجثمان كان لا يزال ينزف حتى يوم الجمعة، وهو أمر يتنافي طبياً مع فرضية الوفاة يوم الأربعاء، مما يفتح الباب لتساؤلات حول التوقيت الحقيقي للوفاة، هذه التفاصيل المريبة لم تمر مر الكرام، إذ ذكر تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي صدر بعد أحداث رابعة اسم الوالد صراحة، واصفاً وفاته بأنها غير طبيعية. وأوصت اللجنة بفتح تحقيق عاجل في ملابساتها، وهو التحقيق الذي لم يرَ النور حتى اليوم.