كهف الوهم

غياب الحقائق ورواج الأكاذيب يقدمان تربة خصبة لشيوع الأوهام وتعشيشها في رؤوس البشر. الحياة الواهمة تتأسس على الكذب والأكاذيب، أما الحياة الحقيقية فالصدق أساسها وجوهرها. لقد كان العرب قبل الإسلام وبعده يكرهون الكذب ويرون فيه قلة رجولة، لأن الرجل لا يكذب، وقد اعتبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكذب آية من آيات المنافق: «إذا حدّث كذب». فالكذب آفة كبرى تهز كيان المجتمعات، ويُعد من أخطر مقدمات شيوع الوهم بداخلها.

الوهم يُعشّش في رأس الإنسان حين يصدّق الأكاذيب، أو حين تنبني معرفته للواقع، ولما يتفاعل فيه من أحداث وأشخاص وجهات ومؤسسات، على الأكاذيب، والكذب صناعة تروج في المجتمعات الضعيفة المهزومة، ولست بحاجة إلى تذكيرك بما يمكن أن يتسبّب فيه الكذب من نشر لأوهام تؤدي إلى تدمير الحياة، حين تضعف ثقة البشر في بعضهم البعض، حين تدفع الإنسان الذي يستيقظ أخيراً من أوهامه إلى أن يفقد الثقة في كل ما حوله، ويصاب بيأس مستطير يسلب الحياة معناها.

ويتفاقم تأثير الأوهام على المجتمع حين يتعلق أهله بها، ويرفضون الاستماع أو الاستجابة لمن يحاول أن يخرجهم من كهف الوهم الذي يعيشون فيه، أمثال هؤلاء يرفضون الحقائق ويعشقون الأوهام التي ورثوها أو تربوا عليها، تجد ذلك حاضراً في تجربة النبي، صلى الله عليه وسلم، مع مشركي مكة، فقد قابلوا الحقائق الإيمانية التي وضعها أمامهم بالكذب والإنكار والتمسّك بما في رؤوسهم من أرقام. كذبوا النبي رغم أن تاريخهم معه -قبل البعثة- كان يشهد على صدقه، لأن الأوهام التي عشّشت بداخلهم كانت أقوى من أي شيء.

حين صعد النبي «الصفا» هتف في المشركين، من بني هاشم وبني عبدالمطلب: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟» قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبولهب: تباً لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟. لقد سارع المشركون إلى الانقلاب على أنفسهم بعد أن اعترفوا للنبي بالصدق تحت ضغط الأوهام التي غرقوا فيها.

لا مناص من المواجهة بالحقيقة، ولا نجاة لأي مجتمع إلا بالعيش في الحقيقة ونبذ الأوهام. قديماً قيل «الصدق منجى». لقد كان النبي يدعو بالدخول الصادق والخروج الصادق في ما يعيشه من مواقف الحياة.. قال تعالى في سورة «الإسراء»: «وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مَخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّمِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً». لقد قدّم النبي تجربة في الكيفية التي تتأسس فيها المجتمعات على الصدق، فاستقامت الحياة ووسع البشر بعضهم البعض بكل إخلاص وأمانة، وهم الذين كانوا يتطاحنون بالأمس، حين كانت الأكاذيب والأوهام تسيطر عليهم.. وصدق الله العظيم إذ يقول في سورة «الزمر»: «وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ». الصدق يمثل البوابة الملكية للخروج من كهف الوهم.