رد اعتبار لداروين!
العشرون عاماً الأخيرة، بدأ بعض دارسى اللاهوت فى أوروبا يميلون للتصديق أن «داروين» فتح أمام البشرية نافذة جديدة للتفكير فى كيفية بداية الإنسان على كوكب الأرض.
وبعد عشرات السنين على وفاته.. احتفت الكنيسة الأوروبية به.
لم يعد «داروين» فى الفاتيكان خارجاً على الدين مارقاً منه مروق السهم من الرمية.
بالعكس.. سمحت الكنيسة بتعليق صوره.. والثناء على اسمه بعد أن كان مجرد لفظه محرماً مضافاً إلى أعداء المسيح.
قبل وفاته.. أصدر البابا يوحنا قراره بإلغاء حرمان «داروين» وتكفيره، ليعود صاحب نظرية التطور إلى حظيرة الدين معززاً مكرماً دون أن يخرجوه منها.
لماذا أعادوا السيرة والذكرى إلى تشارلز داروين اليوم؟
لا أحد يعرف.. لكنه عاد بلا سبب.. كما خرج من طائفة المتدينين زمان بلا سبب أيضاً.
اجتهد «داروين» كثيراً حتى خرج بكتابه أصل الأنواع.
والحقيقة نظريته فى تطور الأنواع على ظهر الأرض تثبت نفسها يوماً بعد يوم.
علمنا «داروين» ما لم نكن نعلم.
فى أوروبا يرفعونه كل يوم.. ويفكرون كل ليلة فيما قال.. لكنا فى الشرق وفى المجتمعات الإسلامية مازلنا
نعاديه.. ونناصبه الكراهية.. ونصم كلامه بالكذب والشر المستطير.. بلا سبب.
لم يقل «داروين» إن الإنسان كان قرداً.. ثم تحول إلى بشر.
لكنه قال إن الجنس البشرى مر بعدة مراحل قبل تحوله لصورته الحالية.
مراحل التحول استغرقت ملايين السنين.
بدا الإنسان محنياً يمشى على اليدين والرجلين، حتى انتصبت قامته، وعرف التفكير واخترع اللغة.. واستخدم أدوات الصيد.. وابتكر أسلحة الحرب.
عام 1998 قدم الأستاذ فى تاريخ الأديان الشرقية جوزيف هاورد ما سمَّاه بـ«ورقة تقريب بين القرآن وبين نظرية داروين».
«هاورد» لم يكن مسلماً.. ولا مسيحياً ولا يهودياً، لأنه يرى أنه أكثر حرية فى العلم، ما دام لا ينتمى إلى الدين.
فى الوقت نفسه، كان «هاورد» على يقين، كما قال، إن لهذا الكون محركاً أكبر.. وقوة أظهر.
كانت ورقة «هاورد» معقدة إلى حد كبير بالنسبة للجمهور العادى، لكن المؤكد أنها أكثر إفادة للمتخصصين فى علوم الإنسان والباحثين فى نظرية التطور.
استشهد «هاورد» بالقرآن الكريم، واعتبر الآية الشريفة: «الذى خلقك فسواك فعدلك»، إشارة إلى المراحل الثلاث التى تكلم عنها «داروين» حتى دخل البشر طور «الأنسنة».
قال إن الله خلق الإنسان بشراً، غير مستوى الجسم، غزير الشعر، طويل اليدين.. محنى الظهر أقرب إلى القردة.
وفى مرحلة «التسوية»، قلَّ شعره، وقصرت اليدان، قبل أن يدخل مرحلة المصطلح القرآنى «عدلك» فانتصب جسمه، وبدأ يفكر.. وحاول الكلام.
قاس هارولد الأسترالى تفاصيل الآية الكريمة على ما قاله «داروين»، وتساءل: لماذا لا يعتبر المسلمون تلك الآية بداية لتوافق دينى بين الكلام الإلهى وكلام العلوم فى العصر الحديث؟
السؤال فى محله.. لكن لا إجابة لدينا عليه حتى الآن.
كل يوم تثبت الأبحاث الجارية أن داروين كان فذاً، لأنه أول مَن شرح نظرية التطور بالتفصيل وبالشرح الوافى.
كل المخلوقات على الأرض مرت بمراحل تطور، فتحولت من حال لحال، ومن شكل لشكل.
لا يتناقض هذا مع الدين، ولا يتناقض مع الدين أيضاً أن نعرف النهارده أن هناك فرقاً بين البشر وبين الإنسان، وأن الأول بوهيمى، لا يفكر.. بينما الإنسان أكثر عقلاً وأكثر حضارة.
ما الذى يضاد الدين فى تلك النتيجة؟