مساكن الذين ظلموا

الحياة تأخذ الإنسان، فيغرق في البحث عن مُتعها وأطايبها، ويعب مما تصل إليه يداه، فيطول أمله فيها حتى تأتي اللحظة الفارقة، وقد يحدث العكس، فيغرق في هموم الحياة وأوجاعها، فيضربه اليأس وينسى أن الأمل معقود على باب الله، ويظل كذلك حتى تأتي اللحظة الفاصلة.
اللحظة التي يعيشها كل من صاحب الأمل الطويل في الحياة، ويجد فيها صاحب اليأس المستطير نفسه، هى اللحظة التي يتذكر كلاهما فيها أن الحياة ليست عبثاً، وأن ما يحدث فيها محكوم بقوانين وسنن لا يجهلها عاقل، طويل الأمل ينظر في اللحظة الفارقة فيجد نفسه قد سكن مساكن الذين ظلموا أنفسهم، يستوعب أن الله تعالى أمهله، لكن لم يهمله، وأنه كان عاطلاً عن التفكير حين عاش حياته بمنطق المنهوم الذي لا يشبع، فظل يجري وراء المكاسب والمغانم دون أن يتوقف حتى أتت اللحظة التي سقط فيها، ووجد نفسه داخل بيوت الذين ظلموا أنفسهم، تلك هى الحقيقة التي نسيها أو تناساها طيلة المشوار، أنه يسير في طريق الذين ظلموا، وسوف ينتهى إلى النهاية نفسها التي وصلوا إليها، في لحظة السقوط يتذكر طويل الأمل نهايات الظلمة، وكيف وصلت الحال به إلى النهاية نفسها، يقول تعالى في سورة «إبراهيم»: «وَسَكَنتُمْ فِى مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ».


أذكر أنني حكيت لك ذات مرة عن القصة التي كتبها الكاتب الروسي «ليو تولستوي» بعنوان «كم من الأرض يحتاجها الإنسان؟» والتي تقدم صورة بارعة الدلالة لفلاح ظلم نفسه حين استسلم لأطماعه ورغبته في امتلاك أكبر مساحة من الأرض الزراعية، فأخذ يجرى ويلهث وراء المزيد من الأفدنة، حتى سقط صريعاً في مساحة من الأرض لا تزيد مساحتها على متر في متر، دُفن فيها، الأشكال والصور التي يظلم فيها الإنسان نفسه عديدة ومتنوعة، فهو يظلم نفسه حين يطمع في ما في يد غيره، وهو يظلم نفسه حين يقتات على الكذب والنفاق، ويظلم نفسه حين يسمح للآخرين بالطغيان عليه. يظلم الإنسان نفسه حين يلعب أى دور في إفساد أو تخريب الحياة من حوله.


اليائس من الحياة يظلم نفسه أيضاً حين ينسى أن الله تعالى ليس غافلاً عما يعمل الظالمون.. يقول تعالى في سورة «إبراهيم»: «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ»، لا يأس ما دام الله موجوداً، ليس على اليائس إلا أن يراجع تجاربه في الحياة ويدقّق فيها وسوف يدرك أن الله تعالى لا يترك ظالماً، بل يعاقبه بما يستحق، لذا عليه أن يتسلح بالصبر ويفهم أن النهايات من جنس البدايات، فالبدايات المضطربة التي تفتقر إلى العدل والعقل لا بد أن تعقبها نهايات مأساوية، وذلك عكس البدايات المستقيمة المدروسة التي تتسم بالمنطق العادل العاقل، وتؤدى إلى نتائج ناجحة مفيدة للواقع، تبتعد بصاحبها عن مساكن الذين ظلموا أنفسهم.