رسائل «الأوكتاجون» إلى الداخل والخارج

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

اعتادت الدول الكبرى أن تجعل من مقرات القيادة العسكرية رموزاً لفلسفتها في إدارة القوة، وليست مجرد أماكن لإدارة العمليات العسكرية.

من هنا فإن افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقر «القيادة الاستراتيجية- الأوكتاجون» بالعاصمة الإدارية الجديدة لا يجب النظر إليه كونه افتتاحاً لمنشأة عسكرية حديثة، بل كإعلان عن مرحلة جديدة في تطور مفهوم الدولة المصرية، وإدارة الأمن القومي، وآليات صناعة القرار الاستراتيجي.

المبنى، الذي يُعد أحد أكبر مقرات القيادة العسكرية في العالم -وليس الشرق الأوسط فقط- يجسد فلسفة سياسية وأمنية جديدة، تقوم على دمج عناصر القوة الشاملة للدولة داخل منظومة واحدة قادرة على التعامل مع التحديات المتغيرة التي يشهدها الإقليم والعالم.

من هذه الزاوية، يمثل «الأوكتاجون» انتقالاً واضحاً من مفهوم القيادة التقليدية إلى مفهوم القيادة الاستراتيجية الشاملة، التي تتعامل مع الأمن باعتباره منظومة متكاملة تشمل الأمن العسكري، والأمن الاقتصادي، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة، والأمن الغذائي، وإدارة الأزمات والكوارث، بما يعكس التطور الكبير في طبيعة التهديدات المعاصرة.

ويأتي إنشاء هذا الصرح في توقيت بالغ الدلالة، إذ يمر الشرق الأوسط بمرحلة غير مسبوقة من السيولة الاستراتيجية، حيث تداخلت الصراعات الإقليمية مع التنافس الدولي، وذابت الحدود الفاصلة بين الحروب التقليدية والحروب غير النظامية، وبين العمليات العسكرية المباشرة والتهديدات الرقمية والهجمات السيبرانية وحروب المعلومات.

وفي ظل هذه البيئة شديدة التعقيد، يصبح امتلاك مركز قيادة متطور قادر على إدارة مختلف السيناريوهات ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار تنظيمي.

والمؤكد لدينا الآن بالعين المجردة أن العالم تغير بصورة جذرية خلال العقدين الأخيرين، ولم تعد الحروب تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، وقد تبدأ بهجوم إلكتروني، أو حملة تضليل إعلامي، أو استهداف للبنية التحتية، أو تعطيل لشبكات الطاقة والاتصالات، أو تهديد للممرات البحرية وسلاسل الإمداد.

لذلك تطور مفهوم الأمن القومي عالمياً من حماية الحدود إلى حماية الدولة بكل مكوناتها، وأصبح نجاح الدول يقاس بقدرتها على إدارة هذه «التهديدات المركبة» عبر منظومات قيادة متطورة، قادرة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

«الأوكتاجون» ليس مجرد مقر لقيادة القوات المسلحة، وإنما مركز لإدارة القوة الشاملة للدولة، وفق مفهوم حديث يقوم على تكامل المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، وربطها بالتطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وهو بذلك يعكس انتقال مصر من مرحلة تحديث التسليح إلى مرحلة تحديث إدارة القوة ذاتها، وهي المرحلة الأكثر تعقيداً والأكثر تأثيراً في كفاءة الأداء العسكري.

ويحمل «الأوكتاجون» عدة رسائل إلى الداخل والخارج، ورسالته إلى الداخل المصري تتمثل في أن الدولة تواصل بناء مؤسساتها على أسس علمية وتكنولوجية حديثة، وأن مشروع الجمهورية الجديدة لا يقتصر على إنشاء المدن والطرق والموانئ والمناطق الصناعية (على أهمية كل ذلك)، وإنما يشمل أيضاً تحديث مؤسسات الأمن والدفاع بما يواكب التطورات العالمية.

وبناء القوة العسكرية الحديثة أصبح جزءاً لا يتجزأ من عملية بناء الدولة نفسها، باعتبار أن التنمية والاستقرار وجهان لعملة واحدة، وأن الاقتصاد لا يمكن أن يزدهر في بيئة تفتقر إلى الأمن والاستقرار، ولعلنا في ذلك نتذكر معاناتنا في هذا الإطار خلال السنوات التي أعقبت أحداث 25 يناير وما تلاها حتى استعادت الدولة عافيتها بعد ثورة 30 يونيو.

ويبعث «الأوكتاجون» برسالة مهمة إلى المواطن المصري نفسه، مفادها أن الدولة تستثمر في المستقبل، وتخطط لعقود قادمة، ولا تكتفي بإدارة تحديات اللحظة الراهنة. فالمشروعات الاستراتيجية الكبرى تتجاوز فكرة التعامل مع الأزمات المؤقتة، إلى الرؤية طويلة المدى، التي تستهدف توفير بنية مؤسسية قادرة على استيعاب التطورات المستقبلية، مهما كانت طبيعتها أو حجمها.

ولا تقل الرسائل الموجهة إلى الخارج أهمية، فالأوكتاجون يؤكد أن مصر تمتلك الإرادة والإمكانات اللازمة لحماية أمنها القومي، وتواصل تطوير قدراتها الدفاعية بصورة مؤسسية ومدروسة، بما يعزز قدرتها على ردع أي تهديد محتمل، دون أن يعني ذلك تبنِّي سياسات هجومية، أو الدخول في سباقات تسلح غير محسوبة.

السياسة المصرية «الرشيدة» خلال السنوات الأخيرة قامت على معادلة واضحة: بناء قوة قادرة على حماية السلام، وليس صناعة الحروب، ومن ثم فإن تطوير منظومة القيادة والسيطرة يعزز مصداقية هذه المعادلة، لأن الردع الحقيقي لا يقوم فقط على امتلاك الأسلحة الحديثة، وإنما على امتلاك منظومة قيادة واتخاذ قرار تستطيع إدارة تلك القدرات بكفاءة وسرعة ودقة.

يعكس «الأوكتاجون» أيضاً تحولاً مهماً في مفهوم الأمن القومي المصري، بعد عقود كان التركيز الأكبر فيها ينصب على حماية الحدود البرية والبحرية والجوية، أما اليوم فقد اتسع المفهوم ليشمل حماية المصالح الاقتصادية، وتأمين الممرات البحرية، وضمان أمن الطاقة، وتأمين الفضاء الإلكتروني، وحماية البنية التحتية الحيوية، وهو ما يتطلب مركزاً متقدماً يجمع بين التكنولوجيا الحديثة وأنظمة القيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في أسرع وقت ممكن.

وفي الوقت نفسه، يبعث «الأوكتاجون» برسالة طمأنة إلى شركاء مصر الإقليميين والدوليين، عنوانها الأبرز: أن مصر كانت وستظل عامل الاستقرار الرئيسي في تلك المنطقة المضطربة، وأن امتلاكها مؤسسات عسكرية متطورة يعزز قدرتها على القيام بأدوارها في مكافحة الإرهاب، وتأمين الملاحة الدولية، والمشاركة في جهود حفظ الاستقرار الإقليمي، وهو ما يصب في مصلحة الأمن الدولي، وليس الأمن المصري وحده.

وبين الرسائل الموجهة إلى الداخل، التي تؤكد استمرار مشروع بناء الجمهورية الجديدة، والرسائل الموجهة إلى الخارج، التي تؤكد جاهزية الدولة المصرية للدفاع عن مصالحها وحماية استقرارها، يبرز «الأوكتاجون» كأحد أبرز الرموز المؤسسية للدولة الحديثة، ما يؤكد بأن مصر لا تبني فقط من أجل حاضرها، وإنما تؤسس أيضاً لمستقبلها الاستراتيجي بثقة ورؤية وحسابات دقيقة، انطلاقاً من عقيدة ثابتة عنوانها: قوة تحمي السلام، ودولة تبني المستقبل.