مكتبة الإسكندرية تحتفي بالمخرج داوود عبدالسيد.. محطات صنعت «فيلسوف» السينما المصرية

كتب: إلهام الكردوسي

مكتبة الإسكندرية تحتفي بالمخرج داوود عبدالسيد.. محطات صنعت «فيلسوف» السينما المصرية

مكتبة الإسكندرية تحتفي بالمخرج داوود عبدالسيد.. محطات صنعت «فيلسوف» السينما المصرية

احتفل معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب، في دورته الحالية، بالمخرج الكبير داوود عبد السيد، شخصية الدورة الحالية وأحد رموز السينما المصرية، تقديرًا لمسيرته الفنية الطويلة، التي مثلت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، وأسهمت في إثراء المشهد الثقافي والفني العربي، ومن المقرر أن تحتفي به المكتبة على مدار أيام المعرض من 6 إلى 20 يوليو الجاري.

ويعد عبد السيد «فيلسوف» السينما المصرية وأحد أبرز صناع السينما والعربية، وقدم أعمالًا اتسمت بعمق فكري ورؤية سينمائية تجاوزت السائد والمألوف، متميزًا بتقديم مشروع فني متفرد يمزج بين الفلسفة والواقع الاجتماعي، ويعكس أزمة الإنسان المعاصر في إطار سرديّ شفيف وجمالي، ومنذ بداياته، ولم يكن مهتمًا فقط برواية الحكايات، بل كان شغوفًا في أعماله بطرح الأسئلة الكبرى حول الوجود الإنساني، ضمن إطار سينمائي يتكئ على البساطة الظاهرية والتعقيد الدلالي.

فهم المجتمع وتحليل مشكلاته

وينتمي إلى جيل من السينمائيين الذين تخرجوا في سنة الهزيمة 1967، أمثال عاطف الطيب وخيري بشارة وعلى بدرخان، تتجلى الواقعية عندهم في محاولة فهم المجتمع وتحليل مشكلاته وتصويرها فنيًا، لذا فاختار أن يقدم سينما تتحدى الجمهور وتدفعه للتفكير، وانعكست هذه الرؤية في أفلام مثل «البحث عن سيد مرزوق»، و«الكيت كات» عام 1991، و«أرض الأحلام» عام 1993، و«أرض الخوف» عام 1999، و«مواطن ومخبر وحرامي» عام 2001، وغيرها حيث تتقاطع الشخصيات في مساحات ضبابية بين الواقع والحلم، وبين اليقين واللايقين.

وتتلمذ المخرج على يد يوسف شاهين خلال دراسته في معهد السينما، وبدأ العمل كمساعد مخرج في بعض الأفلام أهمها «الأرض» ليوسف شاهين، و«الرجل الذي فقد ظله» من إخراج كمال الشيخ، و«أوهام الحب» لممدوح شكري، كما خاض تجربة الأفلام التسجيلية.

في عام 1985، قدّم «عبد السيد» أول أفلامه الروائية «الصعاليك»، لينطلق بعدها في مسيرة سينمائية مميزة بلغ عدد أفلامه تسعة، اتسمت جميعها برؤية فنية خاصة حرص فيها على التحكم الكامل في عناصر العمل، من الفكرة إلى الطرح، مقدمًا توليفة سينمائية تحمل بصمته المتفردة واسمه الكبير.

ويكتب أغلب سيناريوهاته بنفسه، ما يضفي وحدة عضوية على العمل، وترسم شخصياته بعناية لتكون حاملة لدلالات رمزية، وغالبًا ما تكون انعكاسًا لتحولات المجتمع المصري في لحظاته الأشد اضطرابًا. كما أن الحوار في أفلامه يميل إلى التبسيط الظاهري، لكنه غالبًا ما ينطوي على تأملات فلسفية عميقة، تُمكن المتلقي من إعادة تأويل العمل بعد مشاهدته.

أفلام المخرج داوود عبدالسيد تعكس رؤيته

ويبقى من أبرز ما يميزه هو اختياره لـ«البطل الضدّ»، ذلك الإنسان المهمّش أو المأزوم أو المنكسر، الذي يعيش على هامش الحياة، لكنه يمتلك قدرة خارقة على طرح أسئلة الوجود، مثل «يوسف كمال» التي جسدها نور الشريف في «البحث عن سيد مرزوق»، فنرى شخصية مثقف سلبي خانع، لا يملك أي بطولة تقليدية لكنه يعكس أزمة الإنسان المأزوم في مواجهة السلطة لا تبدي استعدادًا للفهم.

ويمتاز فيلم «البحث عن سيد مرزوق» بلغة سينمائية خاصة ومتماسكة، تعكس رؤية داوود عبد السيد كصانع أفلام يؤمن بأن الصورة ليست مجرد وسيلة لسرد الحكاية، بل هي جوهر التعبير السينمائي نفسه. في هذا الفيلم، لا تخضع اللغة البصرية للواقعية فقط، بل تنحرف عمدًا نحو الفانتازيا، لتصوغ عالماً هلامياً يتماهى مع وعي البطل واضطرابه.

ومن بين أعماله فيلم «الكيت كات» المأخوذ عن رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، لكن عبد السيد لم يقدّم النص كما هو، بل يعيد تأليفه بصريًا وروحيًا، وهذا الفيلم يصنف ليس فقط أحد أفضل أفلام التسعينيات، بل هو أيضًا أحد أكثر الأعمال السينما المصرية قدرة على التعبير عن روح شعب منهك، يتأرجح بين القهر والحلم.

وفي الفيلم لا يقتصر العنوان على الإشارة إلى حي بعينه، بل يتحوّل المكان العشوائي إلى مرآة مصغّرة تعكس ملامح مصر في تسعينيات القرن العشرين، بما تحمله من أزمات: البطالة، وأحلام السفر، والتهريب، والانكسارات اليومية، وتلاشي الطموحات.

ويُعدّ فيلم «أرض الخوف» ذروة المشروع السينمائي الفلسفي لداوود عبد السيد، حيث يسعى من خلاله إلى التعبير عن الهواجس الوجودية والسياسية التي أثقلت جيله في أعقاب نكسة يونيو 1967، وعلى رأسها سؤال الهوية، وتدور أحداث الفيلم حول «يحيى»، ضابط الشرطة الذي يُكلَّف بمهمة استثنائية: التوغّل في عالم الجريمة، والتعايش لسنوات بين المجرمين كعميل سرّي للدولة.

ما يبدو في البداية مجرد «مهمة وظيفية» يتحوّل تدريجيًا إلى مأزق وجودي، تتقاطع فيه الأسئلة حول الولاء، والهوية، والحقيقة، في سردية تُشبه المتاهة، يغوص الفيلم في عمق التوتر بين الفرد والدولة، في محاولة للقبض على معنى الحقيقة وسط عوالم متشابكة من الزيف والتلاعب.

يتحوّل «يحيى» تدريجيًا إلى نموذج لإنسان تائه، فقد بوصلته بين ما يُملى عليه وما يشعر به في أعماقه. يبدأ بالتشكيك في جدوى المهمة، ثم في الدولة التي كلّفته بها، قبل أن يتسلّل الشك إلى ذاته نفسها. ومع تصاعد الأزمة، يغدو السؤال الوجودي «من أنا؟» أكثر إلحاحًا وإرباكًا من سؤال «ماذا أفعل؟!»

وفي 2010 يعود عبد السيد في فيلمه «رسائل البحر» إلى تيماته الفلسفية المعتادة، مستبدلًا الحارة الشعبية في «الكيت كات» بسحر الإسكندرية، ومن خلال شخصية «يحيى» الطبيب الشاب الذي يعاني من تلعثُم في النطق «التأتأة»، حيث الكلمة العالقة بين الحلق والواقع، وحيث الرسائل المكتوبة بأبجدية مغايرة وعابرة للغات، ليمثل الفيلم رحلة بحث عن الذات، وعن لغة بديلة في عالم لم يعد يُنصت.

لغة سينمائية تمزج بين الواقعية والشعرية

أما في فيلمه «قدرات غير عادية» 2015، يواصل داود عبد السيد طرح الأسئلة عن كيفية التعامل مع الموهبة والاختلاف وطرح الأسئلة: كيف سيتعامل معه المجتمع؟ وهل يتعرض للاستغلال أو للرعاية؟ وهل الموهبة حكر على أشخاص بأعينهم أم أن كل منا يمتلك أسباب تفرده الخاصة والتي لم تكتشف بعد؟!

في هذا الفيلم، انتصار للبصيرة، والتنوع والفنون عبر سكان البنسيون، الذين يجسدون أطيافًا متعددة من الفئات الاجتماعية، كما يحتفي الفيلم بالمكان المفتوح على الكون، ممثلاً بالبحر، ويشير إلى وجود المطلق في مجالس الذكر الصوفية العامرة بأصوات الإنشاد، تلك التي تشكل واحة للمتعبين.

ومن خلال هذه القراءة السريعة لبعض أفلام داوود عبد السيد نجد أنه يتميز بلغة سينمائية تمزج بين الواقعية والشعرية، حيث لا تقتصر الصورة على كونها مجرد توثيق، بل تصبح أداة للتأمل. يختار مواقع تصوير حقيقية تحمل دلالات عميقة، ويستخدم الإضاءة والمونتاج لتكثيف المعاني لا لتجميل المشهد فحسب. كما يلعب الزمن دورًا محوريًا في أفلامه، ليس كخط سردي تقليدي، بل كعنصر وجودي ينبض بالحيرة واللايقين..

ورغم قلة عدد أفلامه مقارنةً بمخرجين آخرين، فقد نجح في حفر اسمه كأحد القلائل الذين نقلوا السينما من خانة الترفيه إلى منصة للتفكير الوجودي والفني. لقد منحنا من خلال أفلامه فرصة لرؤية أنفسنا في مرايا مغبشة لكنها صادقة، وفي زمن تصاعدت فيه موجات الإنتاج التجاري، ويظل علامة فارقة في السينما التي تراهن على الإنسان لا السوق، وعلى السؤال لا الإجابة.


مواضيع متعلقة