ألف يوم من الحرب على غزة.. ما الذي حققته حماس من الطوفان وماذا كسبت إسرائيل؟ (2)

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

في هذه الحرب غير التقليدية، يستحق الأمر التوقف الجاد للنظر بعناية أكثر دقة لما جرى، بغية استبصار المستقبل على المدى القريب. ولعل أولى مساحات المراجعة يجب أن تشمل الوصول إلى يقين ما بشأن السؤال الأكثر أهمية الذي يشغل الجميع، وهو ما الذي حققته حماس من طوفان الأقصى؟ وما الذي حققته إسرائيل من عدوانها الشامل على القطاع؟ في العلم السياسي لا يمكن تقييم عواقب النزاع من خلال حسمها في المكتسبات والخسائر المباشرة، بعيداً عن تناول آثارها غير المباشرة، بما يتضمّن التحولات في الموقع الإقليمي والدولي لطرفي النزاع، وبما يتضمّن أيضاً التغييرات على مستوى الرأي العام العالمي الذي وإن كان يبدو تأثيره محدوداً الآن، فإنه سيُشكل واحداً من عوامل الضغط على أطراف النزاع في المستقبل، بما قد يرجّح موقف أحدهما على حساب الآخر.

دون مواربة، يمكن القول إن حماس تلقت ضربة شديدة أطاحت ربما بجزء حاسم من قوتها العسكرية وترسانتها من الأسلحة النارية والصاروخية التي لعبت دوراً جوهرياً في معركتها الدفاعية مع جيش الاحتلال، غير أن المشاهد الملموسة على الأرض تجعلنا نقول بالكثير من الثقة إن هيكل حماس التنظيمي وموقعها بين الفلسطينيين الغزيين خاصة، وقدرتها على ترميم صفوفها وسيطرتها الأمنية والدعائية على قطاع غزة، كل ذلك ما زال سليماً إلى حد ما، أو على الأقل الضرر الذي أصابه لم يصل إلى مستوى إحداث فراغ سياسي في القطاع يسمح بنشوء قوى محلية وطنية بديلة ذات وزن يُهدّد مكانة حماس، ولعل أبلغ دليل على ذلك فشل الحراك الذي كان مخططاً له يوم 26 يونيو الماضي، والذي كان مُقدّراً له أن يرسل إشارة واضحة بأن فلسطينيي القطاع يرفضون سيطرة حماس السياسية، ويطالبونها برفع اليد عن تقرير مصير القطاع بعد أن حل بسكانه ما حل من خراب وجوع ودمار وحصار أكثر عنفاً وخنقاً. من الواضح تماماً أن هذا الفشل الذريع يشير إلى أن الفلسطينيين في القطاع، ولأسباب شتى ما زالوا يشكلون خزاناً بشرياً تنهل منه حماس ما تشاء، لتعيد بناء قوتها وتحافظ على سلطتها.

يُحسب لنتنياهو أنه تمكن بعناده وإصراره من إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات العسكرية لحماس، لكن هذا لم يكن بلا ثمن، بل يمكن القول إن الثمن كان فادحاً إلى حد أن إسرائيل سحبت كل مخزونها الأخلاقي والسياسي المستقبلي، لتُغطى به ما ارتكبته من جرائم فاقت كل إمكانية لاستيعاب وقبول هذه الوحشية بالعالم أجمع، وهو ما حول إسرائيل إلى دولة منبوذة، ولم يبقَ لها سوى حليف واحد هو الإدارة الأمريكية التي تمارس عليها ابتزازاً فاضحاً وتجبرها على تغيير سلوكها، خشية أن تفقد ذلك الحليف الوحيد، ومن جانب آخر فإن هناك ثمناً إضافياً قد يدفعه نتنياهو متعلقاً بقدرته على اجتياز المعترك الانتخابي في أكتوبر المقبل، وهو أمر يزداد صعوبة يوماً بعد يوم، لأن الرأي العام الإسرائيلي، وفي مقدمته تلك النخبة من السياسيين والإعلاميين وقادة الصناعة والأعمال، أصبحت لديهم قناعة بأن نتنياهو يبالغ إلى حد الشطط في تقدير إنجازاته ومكاسبه من الحروب التي شنّها في غزة ولبنان وإيران، بل يذهب البعض أحياناً إلى تأكيد أن الضربات الموجعة التي وجهتها إسرائيل ضد تلك الأطراف الثلاثة لم تفلح في تحقيق هدف استراتيجي واحد، فلا هي دمّرت برنامج إيران النووي والصاروخي، ولا هي أجبرت حزب الله على الانسحاب شمالاً، أو على قبول فكرة نزع سلاحه، ولا هي أنهت سلطة حماس في غزة، مما يعني أن هناك جدولاً حربياً وعسكرياً مزدحماً سيكون على إسرائيل مواجهته في المستقبل القريب. ولربما تكون الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مخرجاً من الوضع الراهن المأزوم ومفتاحاً للشروع في حلول أكثر منطقية وعقلانية، وأكثر استجابة لموازين القوى الفعلية التي تنسف أوهام نتنياهو المعلنة بتغيير خارطة الشرق الأوسط، وبالتحول إلى قوة إقليمية ريادية عظمى تنفرد برسم مستقبل تلك المنطقة.