عبدالغني العيادي يكتب: الإسلام السياسي في مواجهة حدوده مراجعة نقدية من منظور أوروبي
عبدالغني العيادي يكتب: الإسلام السياسي في مواجهة حدوده مراجعة نقدية من منظور أوروبي
وُلدت الحركة الإسلامية الحديثة في لحظة تاريخية فارقة اتسمت بانسداد الآفاق وفشل المشاريع التنموية الكبرى. وكانت المجتمعات العربية تبحث بيأس عن خلاص من ثلاثية الهزيمة والتخلف والتبعية التي ميزت مرحلة ما بعد الاستعمار. وفي هذا الفراغ الفكري والسياسي، وبعد تعثر المشاريع القومية واليسارية التي استنفدت رصيدها الشعبى، وجدت قطاعات واسعة في الإسلام السياسي وعداً بديلاً وملاذاً أخلاقياً. فقد قدم هذا التيار نفسه مشروعاً حضارياً شاملاً لا يكتفي بإصلاح قشور السياسة، بل يعد بإعادة بناء جذرية للإنسان والدولة والمجتمع وفق تصورات عقدية. إلا أن أكثر من نصف قرن من الممارسة السياسية والتنظيمية كشف أن هذه الحركات، بقدر ما ادعت امتلاك «مفتاح الحل»، كانت في واقع الأمر جزءاً من الأزمة البنيوية، إذ أعادت إنتاج أنماط التسلط والأزمات في أشكال جديدة، بدلاً من بناء مشروع نهضوي جامع يستوعب التعددية وتحديات العصر.
وتتمثل الأطروحة الأساسية في أن أفول هذه الحركات لم يكن مجرد نتيجة لضغوط خارجية أو مؤامرات، بل كان في جوهره نتاجاً لقابلية داخلية للانفجار، أي كان استعداداً بنيوياً تأسست عليه الفكرة نفسها، ما جعلها تتعثر عند أول اختبار حقيقي، لأنها بُنيت على مقدمات خاطئة وأجوبة قاصرة، وعلى اعتقاد ضمني بأن امتلاك التفسير الصحيح للتاريخ يكفي لصناعة المستقبل.
شعار بلا محتوى: اختزال الأزمة الحضارية
اختزلت الحركات الإسلامية سؤال النهضة المعقد في شعار عاطفي بسيط وجذاب: «الإسلام هو الحل»، من دون أن تكلف نفسها عناء تقديم تعريف دقيق لطبيعة الأزمة الهيكلية التي تعانيها الأمة، أو وضع تصور استراتيجى متكامل لكيفية بناء القوة الحضارية في عالم تحكمه التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. وبالنسبة إلى أجيال كاملة نشأت في ظل الانكسارات المتتالية، بدا هذا الشعار كأنه «وصفة سحرية»، وإجابة جاهزة ومريحة عن أسئلة الهزيمة الحضارية.
غير أن المعضلة الحقيقية لم تكن في السؤال المشروع الذي طرحه رواد الإصلاح الأوائل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وإنما في طبيعة الجواب التبسيطي الذي قدمته هذه الحركات، والذي افترض أن استعادة الأمجاد ليست سوى مسألة إرادة إيمانية وتطبيق للشعائر، متجاهلاً السنن الكونية في النهوض الحضاري.
لقد جرى اختزال أزمة تاريخية مركبة، تتداخل فيها أبعاد معرفية واقتصادية ومؤسسية، في تفسير واحد يتمحور حول الابتعاد عن الدين. وعندما يتحول الدين من مصدر للقيم إلى تفسير شامل لكل الظواهر، يتحول المشروع السياسي إلى كيان يعتقد أنه يمتلك الإجابة النهائية عن أسئلة الواقع. وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الواقع أكثر تعقيداً من أن يُختزل في عامل واحد، مهما بلغت أهميته.
نمط متكرر: تجارب السلطة في العالم العربي
تكشف المحطات الكبرى في تاريخ هذا التيار أن اختلاف السياقات لم يمنع تكرار الإشكال البنيوى ذاته. ففي الجزائر، أدى انسداد الأفق السياسي مطلع تسعينات القرن الماضي إلى انزلاق دموى دفع المجتمع كله ثمنه، في ظل غياب حاجز فكرى يردع العنف. وفي تونس، انتهت حركة النهضة إلى سلسلة من التنازلات السياسية التي مكّنتها من البقاء تنظيمياً، لكنها أضعفت خصوصيتها النظرية وتأثيرها الفكري. أما في المغرب، فقد كشفت تجربة حزب العدالة والتنمية حدود المشروع، حين تلاشت الفوارق الجوهرية بين سياساته وسياسات الأحزاب المحافظة التقليدية، باستثناء بعض القضايا الرمزية.
وفي مصر، قدمت جماعة الإخوان المسلمين التجربة الأكثر دلالة؛ إذ كشف عام الحكم القصير (2012-2013) الهوة بين كفاءة التنظيم وكفاءة الدولة. وأظهرت التجربة أن القدرة على التعبئة لا تعنى بالضرورة القدرة على الحكم، وأن إدارة تنظيم مغلق تختلف جذرياً عن إدارة مؤسسات دولة معقدة. ولم تكن المشكلة مرتبطة بالأشخاص وحدهم، بل بطريقة التفكير؛ فالحركات التي اعتادت النظر إلى المجتمع من زاوية «الدعوة» عجزت عن إدارة ملفات الاقتصاد والعلاقات الدولية والأمن.
وعند تتبع الحصيلة الاقتصادية لهذه التجارب، نجد أنها لم تخرج عن المنطق السائد إلا بطلاء هوياتي محدود. فقد انحصرت الفوارق في قوانين الأسرة والخدمات الاجتماعية، وهي مجالات مهمة، لكنها لا تكفي لبناء مشروع حضارى متكامل.
العنف: الهدية الاستراتيجية للخصوم
من أكثر إشكاليات الإسلام السياسي كلفة علاقته الملتبسة بالعنف. فحين يُغلق المجال السياسي، تفتقر بعض مكوناته إلى حصانة فكرية تحول دون الانزلاق نحو العمل المسلح. وقد مثل هذا الانزلاق هدية استراتيجية لخصومها؛ إذ منحت كل عملية إرهابية الأنظمة السلطوية ذريعة لتوسيع القمع، وتقييد الحريات، وتعطيل مسارات الإصلاح.
وشكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لحظة مفصلية، إذ أصبح من السهل الخلط بين المعارضة السياسية والتطرف. والمفارقة أن الحركات المعتدلة دفعت الثمن الأكبر، فوجدت نفسها محاصرة بين أنظمة تستثمر المخاوف الأمنية، وأجنحة متشددة ترى في القمع مبرراً لمزيد من التطرف.
الاختبار الأوروبى: حدود المشروع في الفضاء الديمقراطي
إذا كانت تجارب العالم العربي قد كشفت حدود المشروع عند الاحتكاك بالسلطة، فإن التجربة الأوروبية كشفت حدوداً أخرى. فقد وفرت الهجرة لهذه الحركات مساحة واسعة للتنظيم والتعبير، واستطاعت من خلالها بناء شبكات من المؤسسات والمساجد. غير أن هذه البيئة نفسها كشفت محدودية مشروعها؛ فالمجتمعات الأوروبية الحديثة تقوم على سيادة القانون، والمواطنة، وإنتاج المعرفة، لا على المرجعية الدينية بوصفها أساساً للمجال العام.
وتعد فرنسا، في هذا السياق، المثال الأبرز والأكثر إثارة للجدل، حيث يصطدم مشروع الإسلام السياسي بالنموذج الجمهورى القائم على اللائكية الصارمة، وحياد الدولة، ووحدة الفضاء المدنى. وخلال السنوات الأخيرة، انتقلت الدولة الفرنسية من مرحلة المراقبة السلبية إلى تبني استراتيجية أكثر تشدداً في التعامل مع شبكات الإسلام السياسي، ولا سيما تلك المرتبطة فكرياً أو تنظيمياً بجماعة الإخوان المسلمين. وشملت هذه الإجراءات تجفيف مصادر التمويل الخارجي، وتشديد شروط العمل الجمعوي، وفرض «ميثاق المبادئ» الذي يؤكد الالتزام بقيم الجمهورية.
واللافت في هذه التجربة أن المواجهة لا تجرى مع أنظمة سلطوية، بل داخل ديمقراطيات ليبرالية عريقة تقوم أصلاً على حماية الحقوق والحريات. وهو ما يضع الحركات الإسلامية أمام اختبار حقيقي، إذ يكشف أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بموازين القوى السياسية، بل بمدى قدرة المشروع الإسلامى على التكيف البنيوى مع مجتمعات ترى أن مصدر الشرعية الوحيد هو القانون والمؤسسات المنتخبة، لا المرجعيات العقائدية أو التأويلات اللاهوتية.
ما بعد الإسلام السياسي: نهاية مرحلة لا نهاية فكرة
إن الحصار القانونى والمؤسساتى يرفع كلفة الحركة، لكنه لا ينهي الظاهرة وحده؛ فالأفكار لا تموت بسقوط تنظيماتها، وهي قادرة على إعادة إنتاج نفسها ما دامت أسئلة الهوية والعدالة والتهميش قائمة. غير أن ما يواجه حدوده اليوم ليس الدين، بل الاعتقاد بأن تفسيراً واحداً للتاريخ قادر على صناعة المستقبل.
فالنهضة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بتفاعل المعرفة والمؤسسات والاقتصاد والقانون والثقافة. وكل مشروع يختزل هذه المنظومة في عنصر واحد يحكم على نفسه بالاصطدام بالواقع. وما نشهده اليوم ليس نهاية الإسلام السياسي بقدر ما هو نهاية مرحلة من فهم السياسة والمجتمع؛ مرحلة اعتقدت أن امتلاك «الحقيقة المطلقة» يمنح القدرة على قيادة الواقع، فاكتشفت أن الواقع أكثر تعقيداً من أى اختزال.
فالاحتراق الحقيقى لا يبدأ حين تواجه هذه الحركات خصومها، بل حين تواجه واقعاً لا يشبه التصورات الذهنية التي بنت عليها مشروعها طوال عقود.