الصين.. السياسة بنت الثقافة (1)

نحتاج فى الوقت الراهن إلى نظرة عميقة للصين، بعيداً عن الصورة النمطية التى صنعتها لها الدعاية الغربية، وأبعد من مجرد الاكتفاء باستعارتها فى السجال السياسى العربى الراهن، باعتبارها نموذجاً ملهماً للتنمية يتخفّف من اشتراطات الديمقراطية، قيم وسياقات وإجراءات، أو لدى آخرين مجرد نزوع استعمارى مغاير، يتخذ من الاقتصاد وسائل للتمدد والتمكن المدروس والهادئ، أو ورقة يتم التلويح بها أحياناً فى وجه الولايات المتحدة الأمريكية، لإحداث توازن مؤقت وعابر، دون نية حقيقية لاستبدال التحالفات، ومواجهة التحديات التى اشتدت على العالم العربى فى أيامنا، تقبض عليه من شتى جوانبه.

لم يهتم العرب بدراسة الصين بما يكافئ أهميتها، وانصرفت أغلب الأدبيات العربية إلى الانشغال بالغرب، اتكاءً على تاريخ من العداء وسوء الفهم تارة، أو محاولة للبحث عن نموذج فى السياسة والاقتصاد وترتيب أحوال المجتمع، تارة أخرى، ربما بحكم معطيات الجغرافيا والتاريخ، أو ارتباط النخبة العربية التحديثية بالثقافة الأوروبية، أو استمراء ما يضغط به تاريخ العلاقة بين جانبى المتوسط على المصالح والأفكار المتداولة بغزارة حالياً.

وفى الطور الأخير من فهم العرب للصين، جاءت النظرة فى الغالب الأعم عبر نافذة غربية، تتعامل مع هذه الدولة الآسيوية الكبرى من زاوية أنها منافس، أو مصارع، قوى لهيمنة الغرب اقتصادياً وعسكرياً وحضارياً، أو أنها أكبر الدول التى لا تزال قابضة على نموذج اشتراكى مختلف، تطرحه فى وجه الرأسمالية الغربية، دون أن تخلو الساحة من أولئك الذين يطرحون الصين أمام العالم الإسلامى من زاوية قضية «الإيجور»، باعتبارها صراعاً بين الإسلام والأيديولوجية الصينية العلمانية المعادية للدين، كما تصور ذلك الدعاية الغربية.

وتوقف الباحثون العرب عند أمرين سيطرا على الفهم الغربى للصين، الأول هو ما أورده صمويل هنتنجتون فى كتابه «صدام الحضارات» عن التحالف المحتمل بين الإسلام والكونفوشيوسية فى وجه المسيحية الغربية، حتى لو كان هذا مجرد افتراض يُلبى حاجة الولايات المتحدة الدائمة إلى «عدو»، توظفه فى تبرير استمرار نفوذ المركب الصناعى العسكرى الأمريكى. أما الثانى فهو ما أورده فرنسيس فوكوياما فى كتابه «الثقة» عن الدور الذى يلعبه ترابط المجتمع التقليدى، خصوصاً العائلة، فى بناء النموذج التنموى الصينى المعاصر.

هذه الرؤية المضللة أو الناقصة، إلى حد كبير، تسيطر على الذهنية العربية، أو أغلبها، فى بناء تصور متماسك حيال الصين، يتعامل معها كما هى فى واقعها، وليس وفق مرآة غربية لا تخلو من غرض، ولا تريد سيادة فى العالم أجمع إلا لـ«المركزية الأوروبية» بحمولاتها الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية، باعتبارها المسار الأوحد للتحديث والعصرنة، فيما تمّت التعمية على النموذج الصينى الذى يُؤسس لمفاهيم السيادة والسلام والتنمية، ويتعامل معها على أساس أنها ليست قضايا سياسية فحسب، بل أيضاً امتداد لرؤية ثقافية عميقة تضرب جذورها فى التاريخ الخاص للصين.

وجاء كتاب الباحث والكاتب المصرى د. أحمد السعيد، المتخصص فى شئون الصين ويجيد لغتها إجادة تامة، والذى عنونه بـ«الصين من الداخل.. ثقافة العقل السياسى الصينى من كونفوشيوس حتى شى جين بينج» ليفتح الباب واسعاً أمام نظرة أكثر عقلانية وإنصافاً إلى حقيقة الصين، ويرسم ملامح خريطة أولية لفهم هذه الدولة المهمة عبر مفرداتها هى، وليس من خلال القوالب الجامدة، والصور النمطية المصنوعة عنها، ويطرح وفق نهج يجعل من السياسة بنت الثقافة، ما يمكن أن يلهم النخبة الفكرية والسياسية العربية الراهنة طريقاً للخروج من تخبطها المزمن خلال رحلة بحث عن النهضة استمرت قرنين من الزمن، ولا تزال متعثرة.