مشاعر مؤجلة

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

في القرن الواحد والعشرين أصبح من الممكن والمألوف والمتاح والمستحب لفئة معينة من الناس أن يذهب إلى أحد المراكز التي تقوم بتجميد البويضات ليحصل عليها عندما تصبح ظروفه الشخصية تسمح باستقبال طفل وتربيته وتعليمه وإعداد حياة مثالية له.. لكن يظل سؤال يتردد: هل تصلح هذه الفكرة للمشاعر والعلاقات والأحلام الخاصة جداً الحميمة الدافئة؟.. والحقيقة أن علماء الطب النفسي يناقشون هذا الموضوع في ندواتهم وأبحاثهم بصورة مفصلة، فيؤكدون أن البعض يميل إلى تأجيل تحقيق أحلامهم وتطلعاتهم إلى نقطة غير محددة في المستقبل، وهي ما تعرف بـ«متلازمة الحياة المؤجلة».

وغالباً ما يقضي المصابون بهذه المتلازمة حياتهم في الانتظار، ويعيشون حياتهم اليومية دون أي إحساس حقيقي بالهدف أو الاتجاه، ويشعرون بعدم الرضا وكأنهم عالقون في حفرة، كما يفتقرون إلى الحافز.. ويمكن القول إن هذا نمط فكري سلبي يقود الفرد لتأجيل الراحة والاستمتاع بالعيش في الحاضر لحين تحقيق أهداف المستقبل، والتي غالباً ما تكون بعيدة الأجل وصعبة التحقيق.

إن هذه المتلازمة تورث الفرد شعوراً بأنه يعيش في حلقة مُفرغة من المسؤولية والضغوطات التي لا تنتهي «فتمرّ حياته دون أن يشعر بها حتّى وإن قام بتحقيق كل أو غالبية أهدافه، وينتج عنده شعور بالحسرة والندم على الوقت الذي فاته من حياته».

وبحسب تعريفات علم النفس، فإن هذا النمط لا يعتبر بحد ذاته اضطراباً نفسياً أو عقلياً، لكنه قد يكون من أكثر العوامل المسببة لهذه الاضطرابات، كالاكتئاب والقلق وتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، وغيرها.

وقد يوجد هذا النمط الفكري عند جميع الفئات العمرية «لكنه يزداد في الفترة العمرية بين 20 و50 عاماً، كون هذه الفترة عادة ما تكون حافلة بالأحداث والتغييرات المصيرية في حياة الفرد، وتنطوي على كثير من المسؤوليات الدراسية والوظيفية والاجتماعية والعاطفية».

فما أسباب هذه المتلازمة التي تعرف أيضاً باسم «متلازمة يوماً ما» أو «إشباع الحياة المتأخر»؟ وكيف تؤثر على الحياة الشخصية والمهنية؟

ليست كل المشاعر تظهر في لحظتها.. بعضها يتأخر.. بسبب الخوف، أو الضعف، أو الانشغال، أو التربية، أو لأن صاحبها لم تكن لديه القدرة على مواجهتها.. فتُؤجل.. تُخبّأ في الداخل، وتختبئ خلف أقنعة الانشغال أو التماسك.. لكنها لا تموت.. ظهور المشاعر المؤجلة يعني أن ما تم دفنه داخلك عاد يطلب الخروج، لأنك الآن بدأت تنصت.. دون مقاومة.. نشر موقع «إي كيو فور سي» للاستشارات الحياتية بعض التأثيرات الشائعة لمتلازمة «الحياة المؤجلة» على الحياة الشخصية والمهنية، ومنها:

عدم الإنجاز: يمكن أن يؤدي تأجيل أهداف الفرد وتطلعاته إلى الشعور بالفراغ في الحياة الشخصية والمهنية، مما يمكن أن يؤدي إلى الشعور بالملل واللامبالاة وحتى الاكتئاب.


الفرص الضائعة: عندما يؤجل الناس تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم، فإنهم يفوتون الفرص التي ربما كانت متاحة لهم، مما يشمل الفرص الوظيفية وفرص النمو الشخصي وحتى العلاقات.


الركود: عندما يؤجل الناس أهدافهم يعلقون في وضعهم الحالي، ويشعرون وكأنهم لا يحققون تقدماً في حياتهم الشخصية أو المهنية، وهذا يؤدي إلى الشعور بالركود وحتى اليأس.

انعدام الثقة: تأجيل الأهداف يمكن أن يؤدي إلى انعدام الثقة في قدرات الشخص ومهاراته في اتخاذ القرار، وهذا يزيد من صعوبة المخاطرة والسعي وراء فرص جديدة، مما يزيد من تفاقم دورة التأجيل.

في عمق كلّ صمت حقيقي، هناك ما يُراد له أن يُسمع.. حين تبدأ بمراقبة ذاتك بصمت لا يخرج النور فقط.. بل يخرج أيضاً ما كان مدفوناً، متراكماً، مؤجَّلاً.. ظهور المشاعر المؤجلة ليس علامة انهيار، بل لحظة كشف.. والمشاعر التي تظهر فجأة، ليست دائماً جديدة.. بل قديمةٌ تجرّأت على العودة حين صرت مستعداً لسماعها.. فرفقاً بأحلامك ومشاعرك حتى لا تصاب بمتلازمة الحياة المؤجلة.