د. حسن عبدالله الدعجة يكتب: الأردن والإخوان.. من الشراكة إلى القطيعة

كتب: محرر

د. حسن عبدالله الدعجة يكتب: الأردن والإخوان.. من الشراكة إلى القطيعة

د. حسن عبدالله الدعجة يكتب: الأردن والإخوان.. من الشراكة إلى القطيعة

تشكل العلاقة بين الدولة الأردنية وجماعة الإخوان المسلمين واحدة من أكثر العلاقات السياسية تعقيداً فى التاريخ السياسى الحديث للأردن؛ إذ لم تكن يوماً علاقة صدام مطلق، ولا شراكة كاملة، بل حالة مركبة من التداخل السياسى والاجتماعى والتنظيمى، تأثرت بتوازنات الداخل الأردنى، وبالتحولات الإقليمية والدولية على حد سواء. ومع دخول العقد الأخير، بدأت هذه العلاقة تمر بمرحلة إعادة تعريف عميقة، انتقلت فيها من مساحة الشراكة السياسية غير الرسمية إلى مسار أكثر تقييداً قانونياً وتنظيمياً، وصولاً إلى مرحلة يمكن وصفها بـ«القطيعة الناعمة» أو «إعادة التموضع القانونى والسياسى».

إن فهم هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأردنى الداخلى، إذ لعبت الجماعة، تاريخياً، دوراً فى الحياة العامة من خلال العمل النقابى والنيابى والاجتماعى، مستفيدة من هامش سياسى سمح به النظام، لاعتبارات تتعلق بالتوازنات الداخلية والاستقرار الاجتماعى، غير أن هذا الهامش بدأ يتقلص تدريجياً مع تراكم مجموعة من العوامل، أبرزها التحولات الإقليمية بعد عام 2011، وصعود المخاوف من تمدد التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجى، وتزايد حساسية الدولة تجاه أى قوى موازية قد تنافس مركز القرار أو تمتلك شبكات تنظيمية مستقلة.

وعلى المستوى القانونى، شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات التى أعادت ضبط الإطار التنظيمى للعمل السياسى والحزبى فى الأردن، بما فى ذلك تشديد متطلبات الترخيص للأحزاب، وإعادة تعريف العلاقة بين الجمعيات السياسية والدولة، وصولاً إلى حالة من التفكيك التدريجى للبنية التنظيمية التقليدية للجماعة، أو على الأقل تقليص قدرتها على العمل ككيان موحد ومؤثر.

ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن تجارب دول إقليمية أخرى، ولا سيما الحالة اللبنانية، حيث أدى وجود تنظيمات مسلحة ذات نفوذ سياسى وعسكرى إلى خلق حالة من ازدواجية السلطة، وتعطيل القرار السيادى فى بعض الملفات، وفى هذا السياق، يبدو أن الدولة الأردنية تحاول استباق أى سيناريو مشابه، عبر سياسة تقوم على منع تشكل «قوى موازية» تمتلك أدوات ضغط خارج الإطار الرسمى، فالدروس المستخلصة من الإقليم تشير إلى أن أى تداخل بين العمل السياسى غير المنضبط وبين شبكات تنظيمية قوية قد يؤدى إلى استقطاب داخلى حاد، واستنزاف طويل الأمد للدولة ومؤسساتها، حتى إن لم يتحول إلى صراع مسلح مباشر.

لكن، فى المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءاً من التحولات فى العلاقة مع الإخوان يرتبط أيضاً بالتغيرات الدولية فى مقاربة الإسلام السياسى. فقد أعاد عدد من الدول المؤثرة تصنيف بعض فروع الجماعة، أو الحركات القريبة منها، ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية أو المحظورة، أو على الأقل أعادت تلك الدول النظر فى شرعيتها السياسية. ولم يكن هذا التحول موحداً على المستوى الدولى، لكنه أوجد بيئة سياسية أكثر تحفظاً تجاه الأحزاب ذات المرجعية الدينية، خاصة تلك التى تمتلك أذرعاً تنظيمية عابرة للحدود، أو خطاباً أيديولوجياً يتجاوز الدولة الوطنية.

ومن هنا، يمكن فهم التوجه الأردنى باعتباره جزءاً من إعادة تموضع أوسع للدولة الوطنية فى مواجهة تحديات ما بعد الدولة التقليدية، حيث لم يعد الخطر محصوراً فى الجيوش النظامية أو الصراعات الحدودية، بل امتد ليشمل الفاعلين من غير الدول، بما فى ذلك الأحزاب العقائدية والتنظيمات الشبكية. وفى هذا الإطار، تسعى الدولة إلى حصر العمل السياسى ضمن قنوات مؤسسية واضحة، تضمن الشفافية والمساءلة، وتمنع الازدواجية فى المرجعيات.

ومع ذلك، فإن أى معالجة مستقبلية لهذه العلاقة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار خصوصية التجربة الأردنية، التى تميزت تاريخياً بالانفتاح النسبى وإدارة التعددية السياسية ضمن حدود الاستقرار. فالمبالغة فى الإقصاء، أو الدفع نحو القطيعة الكاملة، قد تحمل مخاطر غير محسوبة، تتمثل فى انتقال النشاط السياسى إلى الهامش، أو إعادة إنتاجه فى أشكال غير رسمية أقل قابلية للضبط. وفى المقابل، فإن استمرار أى فراغ تنظيمى غير منظم قد يخلق بيئة خصبة للتوترات الاجتماعية أو الاستقطاب الأيديولوجى.

إن السيناريو الأكثر واقعية للمستقبل لا يبدو قائماً على المواجهة الصفرية، بل على إعادة صياغة العلاقة ضمن إطار قانونى جديد يحدد بوضوح قواعد العمل السياسى وحدود المشاركة. وهذا يتطلب من جميع الأطراف الانتقال من منطق «التمثيل الشامل» إلى منطق «المشاركة المنظمة»، بحيث يصبح العمل السياسى مرتبطاً ببرامج وطنية، لا بهويات فوق دولتية أو تنظيمات عابرة للحدود.

كما أن التحدى الأكبر أمام الأردن فى المرحلة المقبلة يتمثل فى الحفاظ على توازنه الدقيق بين متطلبات الأمن الوطنى من جهة، وضمان استمرارية الحياة السياسية التعددية من جهة أخرى. فالدولة الأردنية، بحكم موقعها الجغرافى الحساس وتداخلاتها الإقليمية، لا تملك ترف الانزلاق إلى نماذج الصدام الداخلى، كما لا يمكنها، فى الوقت نفسه، تجاهل المخاطر المرتبطة بتنامى الفاعلين غير الرسميين.

وفى ضوء ذلك، تبدو التجربة اللبنانية مثالاً تحذيرياً أكثر منها نموذجاً قابلاً للتكرار. فهناك أدى تداخل السلطة السياسية مع القوة العسكرية والتنظيمية إلى إضعاف الدولة المركزية وإطالة أمد الأزمات. وبالتالى، فإن أحد أهم دوافع السياسات الأردنية الحالية يتمثل فى تجنب إنتاج أى بنية مشابهة، حتى إن اختلفت السياقات والتفاصيل.

وفى المحصلة، يمكن القول إن العلاقة بين الأردن وجماعة الإخوان المسلمين تدخل مرحلة جديدة من إعادة التشكيل، عنوانها الأبرز هو «الانتقال من الشراكة المرنة إلى التنظيم القانونى الصارم». وهى مرحلة لا تعنى بالضرورة القطيعة النهائية، بقدر ما تعنى إعادة تعريف المجال السياسى بما يتناسب مع التحولات الإقليمية والدولية، ومع متطلبات الدولة الحديثة فى إدارة التعددية دون المساس باستقرارها.

ويبقى التحدى الأساسى فى كيفية تحقيق هذا التحول دون خلق فراغ سياسى أو اجتماعى، وبما يضمن أن تبقى الدولة الأردنية نموذجاً فى الاستقرار المتوازن؛ لا فى الإقصاء ولا فى الفوضى، بل فى القدرة على إدارة التعددية ضمن إطار وطنى جامع يحصنها من تكرار تجارب الإقليم الأكثر اضطراباً.