تحصين السيادة في عصر السيولة الجيوسياسية

فى عصر السيولة الأمنية والتهديدات الهجينة، لم يعد مفهوم «الدولة» مجرد حدودٍ جغرافية تُحرَس، بل شبكة معقدة من تدفقات البيانات، ومراكز القرار، والقدرة على الاستجابة فى «زمن الصفر».

من هنا، يبرز مشروع «الأوكتاجون» (مقر القيادة الاستراتيجية) لا كصرحٍ معمارى يثير الدهشة فحسب، بل كضرورة حتمية تفرضها تحولات الجيل الخامس من الحروب.

ومع ذلك، تعالت بعض الأصوات المعترضة التى ترى فى تجميع مراكز القيادة الاستراتيجية للدولة فى بقعة واحدة نوعاً من «المخاطرة العسكرية» أو المبالغة الإنشائية.

بل إن بعض اليسار المؤمن بالسيولة المطلقة والحالم بتكرار كونه مطية للتطرف اليمينى، اعتبره ردة لعصور ما قبل «الحداثة»، وباعتباره مفكراً استراتيجياً ومحللاً عسكرياً لا يشق له غبار، قارن بين الأوكتاجون وبين قلعة صلاح الدين، فى واحدة من أندر ما أبدع كحصيف لا يملك علماً.

تفنيد هذا الهجوم لا يتطلب رداً عاطفياً، بل قراءة علمية واعية تعتمد على الفكر الاستراتيجى الحديث والنماذج العالمية التى سبقتنا فى هذا المضمار.

العقيدة العسكرية القديمة (ما بعد الحداثة) كانت تميل إلى تشتيت الوزارات والهيئات القيادية تحت وهم «التمويه والتأمين بالتفريق». لكن إدارة الأزمات الحديثة أثبتت أن التشتت المكانى هو العدو الأول لسرعة اتخاذ القرار.

فى علوم الإدارة الاستراتيجية، تُعرف هذه المعضلة بـ«تأثير الصوامع المنعزلة»، حيث تعمل كل جهة فى جزئية منفصلة.

الأوكتاجون يعالج هذه الثغرة من خلال مفهوم «التكامل العملياتى المباشر». عندما تجلس القيادات، ومراكز إدارة الأزمات تحت سقف مؤمّن واحد (موزعة على ثمانية مبانٍ ثُمانية الأضلاع تحاكى ترابط أقاليم مصر)، تتقلص الدورة الزمنية للمعلومة من ساعات إلى ثوانٍ معدودة.

فى الحروب السيبرانية وحروب المسيّرات، الثوانى هى الفارق بين النصر والهزيمة.

ولعل بعض اليسار ممن يرون فى الميليشيات نموذجاً، يتذكرون كيف كانت هزيمة يونيو 67، التى افتقرت لأبسط قواعد علم التكتيكات العسكرية، واتخاذ قرار الانسحاب دون تشاور ودون خطة ودون بنية معلوماتية.

ينطلق هؤلاء من فرضية مبسطة: «تجميع الأهداف يسهل تدميرها بضربة واحدة». هذه الرؤية تتجاهل أبجديات الهندسة العسكرية الحديثة.

الأوكتاجون ليس مجرد مبانٍ فوق الأرض، بل هو «جبل تكنولوجى مصمت» يمتد عميقاً فى باطن الأرض، ومحصن ضد الضربات النووية والكهرومغناطيسية، ومحاط بأحزمة دفاع جوى متعددة الطبقات تجعل من اختراقه عسكرياً أمراً يقترب من المستحيل.
علاوة على ذلك، فإن الأمن السيبرانى الحديث يعتمد على «تأمين الشبكات المغلقة» (Air-Gapped Systems).

تجميع مراكز البيانات والقيادة فى نقطة حصينة واحدة يسهل عملية بناء جدار حماية سيبرانى فائق التعقيد والقدرة، مقارنة بتأمين عشرات المقار المشتتة فى قلب العاصمة القديمة المكتظة، والتى تعانى من ثغرات أمنية فى بنيتها التحتية المتقادمة.

مصر لم تخترع العجلة فى هذا التوجه، بل طبقت النموذج القيادى الأكثر نجاحاً فى العالم:

البنتاغون الأمريكى: النموذج الأشهر عالمياً، بُنى فى أربعينات القرن الماضى لإدراك أمريكا أن تشتيت قيادات الجيش يعطل النصر.

ورغم تعرضه لهجوم فى 11 سبتمبر، ظلّ قلب القيادة النابض ولم تفكر واشنطن يوماً فى تفكيكه، بل عززت مركزيته.

مركز إدارة الدفاع الوطنى الروسى: الذى دشنته موسكو كعقل مفكر موحد يدير العمليات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية للدولة فى وقت السلم والحرب تحت قيادة واحدة.

مجمع «بونجوبونج» فى كوريا الجنوبية: مركز القيادة الموحد المحصن تحت الأرض لإدارة الدفاع ضد التهديدات غير التقليدية.

من الناحية العلمية، فإن تشغيل مقار مشتتة فى وسط القاهرة (الخانقة) يستهلك ميزانيات ضخمة تتوزع على التأمين المتباعد، وصيانة شبكات الاتصال العتيقة، وهدر الوقت فى التنقل وسط الاختناقات المرورية.

الأوكتاجون يمثل «وفورات الحجم» فى الإدارة السيادية؛ حيث البنية التحتية للطاقة، والمياه، والاتصالات المؤمنة، ومحطات توليد الطاقة الذاتية، تخدم الكيان بأكمله بكفاءة أعلى وتكلفة تشغيلية أقل على المدى الطويل.

الهجوم على الأوكتاجون ينبع غالباً من قراءة أدوات الماضى بعيون الحاضر.

(بافتراض حسن النية) فالقوة فى القرن الحادى والعشرين لم تعد تقاس بالقدرة على الاختباء، بل بالقدرة على «السيطرة والربط والاستجابة الفائقة».

الأوكتاجون ليس مجرد مقر عسكرى، بل هو إعلان عن انتقال الدولة المصرية من مفهوم «الدفاع الانفعالى» (نموذج 67 المفضل لبعض اليسار) إلى «الردع الاستراتيجى المنظم».

إنه العقل الذكى والدرع الحصين لجمهورية تبنى أمنها على أسس العلم والمعرفة، لتبقى دائماً خطوتين للأمام فى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمستعدين.

وفى الوقت نفسه ترسل الرسائل للجميع، الصديق قبل العدو، أن العبث بحدودنا أو أمننا لن يكتب له النجاح.