الجامعات التكنولوجية في مصر
التفكير في إنشاء جامعات تكنولوجية بمصر قديم، يعود إلى بدايات الألفية الجديدة، وارتبط بشكل أو بآخر بفوز الدكتور أحمد زويل -رحمه الله- بجائزة نوبل، وحديثه عن ضرورة تكوين قاعدة علمية صلبة تتأسّس عليها النهضة المصرية، إذا كنا جادين في النهوض بالبلاد تكنولوجياً وصناعياً، وحريصين على ألا نخرج من التاريخ. حكى الدكتور «محمد أبوالغار» -متعه الله بالصحة والعافية- في أحد اللقاءات التليفزيونية أن المصريين جمعوا تبرعات لتمويل جامعة بحثية تكنولوجية يمكن أن تنهض بهذا الدور.
تم وضع حجر الأساس للجامعة عام 2000، لكن لم يرتفع البناء فيها حجراً واحداً، لمدة 11 عاماً، وبعد ثورة 25 يناير انطلق البناء وبدأ العمل. اعتمدت الجامعة على قبول الطلاب المتفوقين، تعليم الطالب بالجامعة في ذلك الوقت كان يتكلف 150 ألف جنيه، لكنه لم يكن يدفع جنيهاً واحداً، بل يتم توفير منحة دراسية له، بعد تفوقه في الثانوية العامة، والنجاح في اختبار قدرات لا بد أن يجتازه للالتحاق بالجامعة.
ظلت «جامعة زويل» -حتى تخريج الدفعة الأولى من الباحثين التكنولوجيين- مستقلة عن وزارة التعليم العالي، لكن حدث عام 2019، وبعد وفاة الدكتور أحمد زويل، أن دخلت الوزارة على الخط وقرّرت إخضاع الجامعة لإشرافها، وتحولت بذلك إلى جامعة بمصروفات ضخمة أشبه بالجامعات الخاصة، ولم يعد التفوق في الثانوية العامة شرطاً للالتحاق بها، بل يقبل الطلاب بمجموع 70%، المهم أن يدفعوا المصروفات التي تقترب من 150 ألف جنيه.
حكاية جامعة زويل التي حكاها الدكتور محمد أبوالغار تلخص لك أوضاع البحث العلمي والتكنولوجي في مصر والموقف منه، فنحن لا نستهدف إنتاج جيل من التكنولوجيين والصناعيين والزراعيين وخبراء الهندسة والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي القادرين على التعامل مع العصر، والذين من الممكن تصديرهم إلى الخارج في صورة عمالة مصرية بالخارج، توفر مليارات الدولارات سنوياً لمصر، بل تُعد أكبر مصدر للعملة الأجنبية في مصر، كما أننا لا نلتفت إلى حجم الطلب الذي يمكن أن يتوافر من جانب الوافدين على هذه الجامعات الحديثة، التي تضع خريجيها في قلب العصر، بما يترتب على ذلك من تدفقات دولارية.
لقد أصدرت وزارة التعليم العالي -عام 2019- قانوناً بإنشاء جامعات تكنولوجية، مهمتها إعداد «التكنولوجيين» المؤهلين للعمل في الصناعة الحديثة. وهي تابعة في أغلبها لجامعات حكومية، ويصل عددها إلى 14 كلية، وتقبل الطلاب من خريجي التعليم الفني، وطلاب الثانوية العامة بمجموع يتراوح بين 63% و76%، مع دفع مصروفات تتراوح بين 15 و20 ألف جنيه. انظر إلى هذه الحال، وقارنها بأوضاع الجامعات العلمية والتكنولوجية بدولة مثل إيران، التي تمتلك واحدة من أقدم منظومات التعليم التكنولوجي في منطقة الشرق الأوسط، تتعاظم مسئوليتها عن إعداد المهندسين والفنيين والباحثين في المجالات الصناعية والتكنولوجية.
بلادنا أكثر عراقة في التعليم العالي، وأمجد تاريخاً على المستوى العلمي والبحثي من الكثير من دول المنطقة، وأظن أنها تستحق أفضل من ذلك.