تحكيم كرة القدم وتسييسها
أخطاء التحكيم فى كرة القدم واردة، فقد فازت إنجلترا بكأس العالم 1966 على حساب ألمانيا الغربية بهدف ثبت بعد اختراع الكمبيوتر أنه لم يكن سليماً، إذ هزت الشبكة من خارج المرمى.
واحتسب الحكم التونسى على بن ناصر هدفاً أحرزه مارادونا بيده فى مرمى الإنجليز خلال بطولة 1986، وبلع لسانه فى الملعب، ثم اعترف فيما بعد وقال «كانت يد الله».
الحكم بشر، ونحن نتفهم جميعاً أنه لا يمكنه الإتقان بنسبة مائة فى المائة، وإن كان يجب أن يقترب من هذا الكمال بعد مساعدة التكنولوجيا عبر الفار.
ولأن بعض البشر يكونون فاسدين بالسليقة أو الظروف، أو يضعفون أمام إغراءات ومخاوف وتحيزات، فيمكن لبعضهم أن تحوله بشريته إلى أداة ظلم قاسٍ داخل الملعب.
وما لا يمكن نكرانه أيضاً أن السياسة طالما تدخلت فى توجيه كأس العالم أحياناً، وكان للأرجنتين نصيب الأسد فى هذا، ففى بطولة كأس العالم 1978 التى أقيمت على أرضها تدخلت المخابرات الأمريكية «سى. آى. إيه» لدى رئيس بيرو ليترك فريقها مرماه يُمنى بخمسة أهداف كانت الأرجنتين فى حاجة إليها للصعود إلى الدور الثانى، كنوع من مساعدة واشنطن لعميلها حاكم الأرجنتيين الجنرال فيديلا، الذى كان يواجه وقتها احتمالات السقوط، ليصعد اليساريون أعداء الولايات المتحدة.
أدار العملية وقتها وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر، ولتحسين صورته وظف فيديلا صورة اللاعب كيمبس المندفع كإعصار، بعد أن أنفق مئات الملايين من الدولارات على البطولة حتى تكون المناسبة أسطورية، رغم أن الشعب يئن تحت وطأة الفقر والقهر.
وسرب العسكريون الأرجنتينيون وقتها رسالة تحذير إلى لاعب هولندا الكبير يوهان كرويف بأنه قد يقتل على يد عصابات خارجة على القانون، إن لحق بالفريق بعد تعافيه، وخسرت هولندا المباراة النهائية، بعد أن لعب فريقها المباراة وسط أجواء من الإرهاب.
وحين فازت الأرجنتين بهذا المونديال كان على بعد كيلومترات قليلة من الملعب الذى شهد المباراة النهائية مركز للتعذيب والإبادة فى إحدى المدارس العسكرية، وكانت الطائرات تلقى بالمعتقلين المعارضين أحياء فى البحر، ويتم اغتيال آلاف مؤلفة من الأرجنتينيين دون ترك أى أثر للجرائم، لكن كل هذا تمت التعمية عليه مؤقتاً فى ضجيج انتصارات الفريق، وتصفيق المعلقين الذين كانوا مجبرين على هذا، وسيل تصريحات مجاملة لحسن الضيافة من كبار رجال الفيفا ومن سياسيين مدعوين من بينهم كيسنجر.
اليوم تنحرف كرة القدم أكثر فى ظل التعامل معها ليس على أساس أنها فن جميل ممتع، يمنح الناس قدراً من المواساة لا يجدونها فى ضروب الحياة الأخرى، لتتحول إلى صناعة وتجارة تخضع لاقتصاديات السوق التى تفرضها الرأسمالية المتوحشة أو الشرسة، وهى لا ترحم خاصة مع المضاربات والمراهنات، وهذه مسألة ليست وليدة اليوم، فقد قيل إن الولايات المتحدة الأمريكية قد أعادت دييجو أرماندو مارادونا ليلعب مونديال 1994 بعد اعتزاله وبدانة جسده، فى سبيل تعزيز الدعاية للبطولة، وخضع لبرنامج علاجى وتدريبى سريع، ليستعيد لياقته، ولعب مباراتين فقط واستبعد لتعاطيه المنشطات.
وسط كل هذا تشتد الدعايات التى تضغط فى اتجاه التعامل مع كرة القدم على أنها «اقتصاد رياضى»، وتجذب إليها كل يوم كثيرين، يرددون هذه الأقوال، التى من شأن تطبيقها أن تقتل الجمال والعدالة تباعاً فى أكثر الألعاب شعبية فى العالم الحديث والمعاصر.