أسطورة «البربري»

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

منذ وقت طويل وأنا أقاوم رغبتي في الكتابة عن هذا الرجل! لكنني أود أن أفعل ذلك اليوم، ربما من الضروري أن يكتب المرء عن نموذج طيب ونقي، نموذج يخبرك أن «الدنيا لسه بخير».


رأيته للمرة الأولى قبل 11 عاماً من الآن، ذهبت إليه وأنا أحمل طفلاً لم يتخطَّ الثمانية أشهر، حملناه قبله إلى عدد من الأطباء الذين كان لكل منهم رأي مختلف، حتي نصحنا الناس أن الخبر اليقين سوف يكون عند الدكتور محمد البربري.


زرته في عيادته، كان الحزن طازجاً في كل مكان، علمت أن والده قد توفي لتوه، فشعرت بالضيق، يا له من وقت غير مناسب.
تخيلت أنني سأصادف رجلاً عابساً، قليل الصبر، حزيناً بكل تأكيد، كيف سيركز مع الحالة في ظروف كهذا؟ إلا أنه استقبلنا ببشاشة أبداها بصعوبة، ليُخفي إنهاكاً شديداً وحزناً بدا عميقاً جداً، خلف مكتبه كان أتقن استقبال أمٍ التاع قلبها على صغيرها منذ لحظة ولادته، منذ أخبرها الجميع أنه بحاجة لتدخل جراحي، أم ظلت لأسابيع طويلة تسأل نفسها دون توقف كيف يمكن أن يحتمل هذا الجسد الصغير جراحة، من ذا الذي يمكن أن يحمل تلك المهمة الشاقة؟ لم تكن رحلة سهلة أبداً، حتي عثرنا علىه بتوصية من كثيرين أخبرونا أنه «الأستاذ» و«الأفضل».


حين دلفنا إلى مكتبه، سألنا إن كنا من مرضي والده الراحل والذي كان طبيب أطفال شهيراً وماهراً جداً، فأجبنا بالنفي.. وفهمت أنه كان يقدم ما تبقي من استشارات طبية لمرضي والده الراحل، ويوجِّه من يحتاج منهم إلى مزيد من المتابعة لأطباء متخصصين.


راقبته وهو يكشف بتركيز على صغيري فيما كان القلق ينهش قلبي، لم يكن يطمئنني سوي أنه «أمر خلقي» إذاً فالله قدَّر هذا والله كفيل به.


لن أنسي ابتسامته الدمثة، ولطفه الشديد وهو يخبرني أن الأمر بسيط وأنه لا داعي للهلع، وعكس كل من نصحونا بالانتظار، نصحني هو بالإسراع فصدَّقته وكذَّبت من سواه.. وائتمنته على فلذة كبدي لأكثر من ساعة ونصف في غرفة العمليات خرج من بعدها ليخبرنا أن كل شيء على ما يرام.


في عيادة الدكتور محمد البربري لن تشعر لحظة أنك تتعامل مع «جزار» كما هو الحال مع أطباء كثر سواه، داخل العيادة المكتظة يدفع المريض الكشف لمرة واحدة فقط، وتظل كل الاستشارات والمتابعات مجانية حتي تمام الشفاء، كان هذا أمراً مذهلاً بالنسبة لي، لكنني لم أكن قد رأيت الأمور المذهلة حقاً بعد.


مرت قرابة العام على عملية صغيري، وبدا أن كل شيء وقتها على ما يرام، وتوقفنا عن زيارة الطبيب، لكن فجأة حدث مضاعفات نادرة الحدوث، لكنها وقعت لابني، أذكر حين زرناه فأخبرنا بحسم: «بكرة يكون في المستشفي هاندخل عمليات تاني»، أنقذ صغيري للمرة الثانية ولم يتوقف عن المتابعة لحظة، لكن كل ما فعله كان في كفة، وفي كفة أخري تلك المرة حين أعربت له عن خوفي من وجود مضاعفات، وكان الطبيب عائداً لتوه من سفر طويل، ولا عيادة في ذلك اليوم، إلا أنه منحنا وقتاً خاصاً تماماً وقام بالكشف على الصغير وطمأننا وانصرفنا مجبوري الخاطر.


كانت المشكلة الصحية لصغيري تستلزم تدخلات جراحية في مراحل عمرية مختلفة، وهنا كان لقاؤنا الثالث في شهر أغسطس الماضي، حين أجري العملية الثالثة له.


كنت يومها أرتدي نظارة سوداء بينما القلق يعتصر قلبي، لم ينتبه لي أحد في هذا اليوم سوي ذلك الرجل الطيب حين خرج من غرفة العمليات، وبينما أقف فزعة في انتظار الاطمئنان على ابني سألني باندهاش: «لابسة نضارة سودا ليه؟»، فأخبرته أنني أشعر بالقلق والخوف، إلا أنه ابتسم بدماثة وطمأنني، ثم مازحنا كعادته بشأن يونس تاركاً في قلبي امتناناً بحجم الكون.


تعامله الطويل مع الأطفال أكسبه بعضاً من براءة المظهر، يمكن رؤية ذلك بوضوح حين تنظر إلى وجهه، لكن أسطورة الجراح المصري الاستثنائي الدكتور محمد البربري ليست فقط في مهارته كجراح، ولا في تقدير زملائه وتلامذته له والذي أراه بوضوح شديد للغاية، لكن أسطورته في تلك الحساسية الشديدة التي تمنحه قدرة على قراءة المشهد بالكامل أمامه، يقرأ مشاعر الهلع، والخوف والضيق، والكذب أيضاً، هو يجيد ذلك بشكل مذهل، فيداوي المريض، ويُطمئن الخائف، ويرحم من ضاقت بهم الدنيا وجاءت بهم إلى عتبته فيفعل كل المطلوب وغير المطلوب أيضاً.. بدماثة واحتراف شديدين.