الصين.. السياسة بنت الثقافة (2)

بات الطريق الذي سلكته الصين لتصنع نموذجها الخاص ممهداً أمام النخب العربية لخمسة أسباب، أولها أن تاريخنا مع الصين لا يشوبه عداء ممتد مثل ما هي الحال بالنسبة للغرب، الذي نستدعي فيه آثار حملات الفرنجة «الصليبية»، وننصت إلى أصوات ترى أنها لا تزال مستمرة في أطوار جديدة، بعد انحسار الاستعمار التقليدي عن بلادنا، فحتى التتار أو المغول، اللذين يرى مؤرخون أنهما انطلقا من الفضاء الجغرافي للصين، سرعان ما ذابا في الحضارة الإسلامية العربية، ودخلا في الإسلام أفواجاً.


والثاني أن تصور النهضة بالتماس أو التفاعل مع الغرب، سواء الذي يدعو لـ«غربنة» كاملة أو الذي يتبني التوفيق بين عطاء الغرب الحديث والمعاصر وبين موروثنا الحضاري فيما يعرف بـ«التوفيق»، لم ينجح إلى الآن في بناء مسار نهضوي يخرجنا من التخلف الحضاري، وهناك من يراه مجرد «تلفيق» ممسوخ.


أما الثالث فهو أن الصين في تفاعلها الخارجي، وعلى العكس من الغرب، تمتنع عن التدخل في شئون الدول، بتوظيف الديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات للهيمنة وليس لرغبة حقيقية في تطوير مجتمعاتنا إلى الأفضل. بل إن الصين لا تسعي من الأساس إلى فرض نموذجها السياسي والاقتصادي على أحد إنما تريد «شراكة» تقوم على الاحترام المتبادل للثقافات والمصالح، وفق الخطاب الذي تعلنه دوماً.


والسبب الرابع يتعلق بالنتائج التي ترتبت على الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، إذ ظهرت فيها الولايات المتحدة في صورة غير المنشغل بحماية حلفائه، والمتماهي مع مشروع إسرائيلي يسعي إلى الهيمنة على الشرق الأوسط، بل بدت أمريكا في موقع العاجز عن منع الإضرار بمصالحها العسكرية والاقتصادية الأمريكية نفسها في منطقة الخليج، في وقت تتصاعد فيه نبرة الحديث عن دور خفي للصين في تعزيز الصمود الإيراني، يمتد من الدبلوماسية إلى السلاح. وهي مسألة تسود في كثير من التحليلات العربية لمجريات الحرب التي لم تكتمل فصولها بعد، حتى لو كانت طهران تنفي هذا، وتؤكد أنها لم تعتمد إلا على عقل أبنائها وسواعدهم.


أما الخامس فهو ما تفرضه شروط العلم على النخب الفكرية والسياسية العربية من ضرورة إطلاع القوي الشعبية الفاعلة، والمهتمة بتأثير السياسات الدولية في بلداننا، على حقيقة النموذج الصيني، لا سيما، ووفق أحمد السعيد أن «ما يصل إلى المتلقي العربي عن الصين غالباً ما يكون مشوشاً أو مبتوراً أو محصوراً في أرقام التجارة، وقصص الهيمنة، وليس عن العقل الذي يفكر بها، ولا الثقافة التي توجه مسارها. وأن من يرد فهم السياسة الخارجية الصينية، أو حتى موقف الصين من نفسها أولاً، والعالم ثانياً، فعلىه أن ينصت أولاً إلى ما يقوله الصينيون عن أنفسهم، لا أن يكتفي بما يقال عنهم». ولذا سعي هو بوصفه خبيراً عربياً إلى فهم الصين من منظور ثقافي، لتأسيس علاقات دولية أكثر إنصافاً واحتراماً تقوم على الإدراك العميق وليس الانبهار أو القطيعة.