القبيح والوردة
أهداني صديقي المثقف الكبير محمد عبدالحافظ ناصف مجموعة من الكتب التي صدرت مؤخراً عن الثقافة الجماهيرية، وهي سلسلة يتولى رئاسة تحريرها اللواء خالد اللبان، ويقوم بتسيير الأعمال فيها الدكتور مسعود شومان، والحسيني عُمران، وإسلام عبدالحميد زكي، ورئيس تحريرها شعبان ناجي، ومدير التحرير سحر جابر.
وجار النبي الحلو مؤلف مصري من مواليد 29 يناير عام 1947 في المحلة الكبري، شارك المؤلفات الأدبية: القبيح والوردة (قصص قصيرة)، طعم القرنفل (قصص قصيرة)، الحدوتة في الشمس (قصص قصيرة)، طائر فضي (قصص قصيرة) وغيرها من الأعمال.
وجار النبي الحلو الذي أعتبره من جيل الستينات التزم البقاء في مدينته وكتب عنها معظم أعماله الأدبية، وكتابته تقوم على تجميع التفاصيل الصغيرة التي تشكل عمله الأدبي. وتميزه عن غيره من الكُتَّاب، والقصة التي جعل عنوانها عنواناً للمجموعة كلها تبدأ هكذا: «النهر رائق، الشمس تُدفئه وهو ينساب في هدوء وطيبة وما هذه القوارب غير لُعب صغيرة والنهر واسع».
يعود ليكتُب: «النهر رائق لا طمي ولا أعشاب، والشمس تناثرت قطعاً صغيرة في مساحته الواسعة، ونحن على حافة النهر نتصبب عرقاً، يحيي كان يلهث والعرق يتصبب على جبينه، والتراب حط على شعره الأكرت، النهار أصبح طويلاً على يحيي، هو في انتظار الليل حيث البنت العرجاء في انتظاره».
إن كتابة جار النبي الحلو، منذ أعماله الأولي، ومنذ أن فاجأنا بحضوره الأدبي الجميل، تقوم على فن التفاصيل الصغيرة، وهو يلتقطها بعينيه من المكان الذي يعيش فيه، وسيذكر التاريخ الأدبي له أنه لم يهاجر للقاهرة مثل غيره من الأدباء والكُتَّاب أبناء الستينات الذين نشروا أعمالهم الأولي حتي استبدلوا أماكن إقاماتهم في بر مصر بالقاهرة. أما جار النبي الحلو فقد ظل في المدينة العُمالية الجميلة التي دخلت تاريخ مصر وترسخت فيه.
لذلك يكتُب جار النبي الحلو: «الشمس حامية وحذائي ضاق على قدمي، وحذاء يوسف من البلاستيك الأسود اللميع، لمحني يوسف على سور الجسر الحديدي ببنطلونه في لون الخُضرة، وعيناه في لون الخُضرة أيضاً، هامت عيناه بالنهر الذي يحبه أكثر منا جميعاً».
هل لاحظت معي تأكيد الكاتب على أن بطله يحب النهر أكثر مما يحبهم جميعاً، وجار النبي الحلو منذ بداياته في القرن الماضي وهو مصمم على البقاء في بلده ولا يحضر للقاهرة إلا للضرورة القصوي، يقضي سبب مشواره إليها ثم يعود من حيث أتي، يقرأ ويكتُب، والأهم من ذلك يقرأ الواقع المحيط به بعين فنان ورؤية أديب وانطلاقاً من معايشة مُحب لريف بلده. ولم يفعل ما قمنا به جميعاً حيث هجرنا البلاد التي نشأنا فيها وجئنا للقاهرة نُكمل حياتنا فيها، غُرباء نعاني من الغربة ونشكو منها، مع أننا نحن الذين صنعناها.
كان جار النبي الحلو ابناً مخلصاً لجيل الستينات منذ منتصف القرن الماضي وحتي الآن. واستمر في الكتابة بطريقة لا يملك الإنسان سوي أن يُعجَب بما يفعله وبما يقوم به، فهو ربما كان شخصاً فريداً في نوعه لأنه لم يترك بلده ويهاجر لا إلي الإسكندرية ولا إلي القاهرة، وبالذات القاهرة. وظل هناك يعيش ويقرأ ويكتُب بإخلاص نادر للكتابة نفسها وبطريقة من الصعب أن نجدها عند أديب آخر غيره.
يكتُب عن بطله بالأمس واسمه يحيي عندما يتحدث عن أمه وعن البنت العرجاء: «بالأمس نادت أمي علىَّ برفقٍ وحنان. فعرفت أن هناك شيئاً ما سوف أفعله لها. وأنا كما تعرفون كثيراً ما أضحي بنفسي من أجلها. فأحياناً أسرق لها الطماطم والباذنجان، وأحياناً يضربني الباعة ولا أستطيع أن أسرق لها أي شئ. فتنظر لي بعينيها الكليلتين وتقول:
- خائب، رحم الله أباك. كان يهد الدنيا على دماغ من لا يطمئن له».
الكتاب مثل أعمال جار النبي الحلو السابقة قائم على التفاصيل الصغيرة وجمعها ومحاولة استنطاقها لتقول ما يريد المؤلف قوله من خلالها. ومَكَّنَه من هذا إصرار على البقاء، حيث بدأ ولم تغره أبداً فكرة السفر للقاهرة والحياة فيها وتلك في حد ذاتها بطولة نادرة.