د. محمد عبود يكتب: «إخوان إسرائيل».. كيف نجحت تل أبيب في تدجين الإسلام السياسي؟

كتب: محرر

د. محمد عبود يكتب: «إخوان إسرائيل».. كيف نجحت تل أبيب في تدجين الإسلام السياسي؟

د. محمد عبود يكتب: «إخوان إسرائيل».. كيف نجحت تل أبيب في تدجين الإسلام السياسي؟

في الشرق الأوسط لا تنمو الحركات السياسية الكبرى داخل الفراغ. وفي إسرائيل على وجه الخصوص، يصعب العثور على ظاهرة سياسية واسعة الانتشار، تمتد لعقود، وتصل إلى الكنيست ومراكز التأثير، دون أن تمر عبر أعين المؤسسة الأمنية والعسكرية.


ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كيف ظهرت الحركة الإسلامية داخل إسرائيل؟ السؤال الأهم: لماذا سمحت إسرائيل بظهورها وتمددها؟ وما الذي استفادت منه من صعود الإسلام السياسي بين فلسطينيي الداخل؟


الحكاية تبدأ بعد حرب 1967. فبحسب دراسة الباحث الإسرائيلي داني رابينوفيتش حول الصحوة الدينية بين المسلمين في إسرائيل، فإن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة خلق بيئة مثالية لانتعاش التيارات الإسلامية. وفي الوقت الذي كانت فيه الأجهزة الإسرائيلية تركز جهودها على ملاحقة الحركة الوطنية الفلسطينية، وخاصة حركة فتح والتنظيمات القومية واليسارية، كانت الكليات والمعاهد الشرعية في الخليل ونابلس تتحول إلى مصانع لإنتاج كوادر إسلامية جديدة.


ومن هذه الكليات خرجت أسماء أصبحت لاحقاً رموز الحركة الإسلامية داخل إسرائيل، مثل عبدالله نمر درويش، ورائد صلاح، وكمال الخطيب وغيرهم.


هنا تظهر المفارقة المهمة. إسرائيل التي كانت تلاحق كل تعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية، تعاملت لفترة طويلة مع النشاط الإسلامي بوصفه خطراً أقل من خطر الحركة الوطنية. فالطالب الذي يدرس الفقه والشريعة بدا في نظر الشاباك والموساد أقل إزعاجاً من الطالب الذي ينضم إلى فتح أو الجبهة الشعبية أو يتبنى خطاب التحرر الوطني الفلسطيني.


وهكذا وجدت إسرائيل نفسها أمام تيار ديني صاعد يستطيع أن ينافس الحركة الوطنية الفلسطينية على الشارع العربي داخل الخط الأخضر. لم يكن الأمر حباً في الإسلاميين، وإنما لأن أي قوة تضعف الحركة الوطنية الفلسطينية كانت تخدم الحسابات الاستعمارية الإسرائيلية. ولهذا السبب شهدت سبعينات وثمانينات القرن الماضي توسعاً كبيراً في نشاط الحركة الإسلامية داخل المدن والقرى العربية.


تم إنشاء رياض الأطفال، واللجان الاجتماعية، والهيئات الخيرية، ومؤسسات الإصلاح الأسري، وقدمت خدمات لفئات شعرت أن الأحزاب العربية التقليدية لم تعد قادرة على تلبية احتياجاتها. لكن النتيجة السياسية الأعمق كانت انتقال جزء من الجمهور العربي من خطاب التحرر الوطني إلى خطاب الهوية الدينية.


ومن منظور المؤسسة الإسرائيلية، كان ذلك تطوراً مريحاً، فالسلطات الإسرائيلية التي كانت ترى في منظمة التحرير الفلسطينية التهديد الرئيسي، وجدت نفسها أمام تيار منشغل ببناء المساجد والجمعيات والأنشطة الدعوية أكثر من انشغاله ببناء مشروع وطني فلسطيني موحد.


أما عندما بدأ بعض رموز الحركة الإسلامية يربطون الخطاب الديني بقضايا القدس والأقصى والهوية الوطنية الفلسطينية، تغيرت المعادلة بالكامل. وهذا ما حدث تحديداً مع الشيخ رائد صلاح والجناح الشمالي للحركة الإسلامية.


فبعد اتفاق أوسلو عام 1993 دخلت الحركة الإسلامية في إسرائيل مرحلة جديدة انتهت بانقسامها عام 1996 إلى جناحين متمايزين في الرؤية والوظيفة السياسية.


الجناح الشمالي بقيادة رائد صلاح، الذي اقترب سياسياً من خطاب حماس، ورفض اتفاق أوسلو، وركز على ملف القدس والأقصى والهوية الوطنية الفلسطينية، أما الجناح الجنوبي الذي سار على خط مؤسس الحركة الشيخ عبدالله نمر درويش، فقد اختار المشاركة في الانتخابات البرلمانية والعمل من داخل المؤسسات الإسرائيلية. ومنذ تلك اللحظة بدأت المؤسسة الإسرائيلية تتعامل مع كل جناح بطريقة مختلفة تماماً.


الجناح الشمالي تعرض للملاحقة والحظر والاعتقالات والقيود الأمنية المتواصلة، إلى أن تم حظره رسمياً عام 2015، أما الجناح الجنوبي فحصل على مساحة أوسع للحركة السياسية، وواصل نشاطه داخل الكنيست، ثم تحول لاحقاً إلى شريك مباشر في الائتلافات الحكومية.


وهذه النقطة تكشف جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه الإسلام السياسي والإخوان المسلمين في القلب منه، فالمشكلة بالنسبة لإسرائيل لم تكن في المرجعية الإسلامية ذاتها، ولم تكن في الشعارات الدينية التي ترفعها جماعة الإخوان وفروعها. المعيار الحقيقي كان دائماً، هل يتحرك هذا التيار داخل قواعد اللعبة التي تحددها «دولة إسرائيل»، أم يسعى إلى تحويل الدين إلى أداة تعبئة ضد المشروع الاستعماري الإسرائيلي؟


اللافت أن الحركة الإسلامية بدأت مع مرور الوقت، تُكيف نفسها مع قواعد اللعبة الإسرائيلية.


«الشيخ» رائد صلاح أصبح رئيساً لبلدية أم الفحم بين عامي 1989 و2001، ونسج علاقات مع شخصيات إسرائيلية نافذة، ومجرمي حرب مشهورين: مثل إسحاق رابين وأريئيل شارون وبنيامين فؤاد بن إليعازر، وكذلك أرييه درعي شريك نتنياهو في حرب الإبادة الأخيرة ضد قطاع غزة.


أما عبدالله نمر درويش فقد قاد لاحقاً التيار الذي اختار الاندماج الكامل في العملية السياسية الإسرائيلية، ولم يكن موقفه من المشاركة السياسية موقفاً تكتيكياً أو مؤقتاً، بل تحول إلى رؤية فكرية متكاملة داخل الحركة الإسلامية.


ففي أكثر من مناسبة دافع «درويش» عن المشاركة في انتخابات الكنيست، وهاجم التيارات الإسلامية التي دعت إلى المقاطعة، معتبراً أن غياب عرب 48 عن البرلمان لن يضر المؤسسة الإسرائيلية بقدر ما سيضعف تمثيل المجتمع العربي نفسه.


وفي مقابلاته وتصريحاته خلال مطلع الألفية الجديدة، كان يؤكد أن العمل من داخل المؤسسات الإسرائيلية أكثر فاعلية من سياسة المقاطعة، داعياً إلى توحيد القوائم العربية وتعزيز حضورها البرلماني. ومع مرور الوقت تحولت مسألة المشاركة في الكنيست إلى خط الانقسام المركزي داخل الحركة الإسلامية. فالجناح الجنوبي رأى في البرلمان ساحة نضال سياسية يمكن استثمارها لتحسين أوضاع عرب 48 داخل إسرائيل.


أما الجناح الشمالي فاعتبر المشاركة اعترافاً بشرعية المشروع الصهيوني، ودعا إلى المقاطعة والتمسك بخطاب أكثر ارتباطاً بالقضية الوطنية الفلسطينية.


ووصل الخلاف بين الطرفين إلى ذروته خلال انتخابات 2009 التي جرت في أعقاب عدوان الرصاص المصهور على غزة، حين دعا الجناح الشمالي إلى المقاطعة باعتبارها موقفاً احتجاجياً ضد العدوان، بينما دعا الجناح الجنوبي إلى التصويت المكثف للأحزاب العربية لمعاقبة الأحزاب الصهيونية داخل البرلمان.


واللافت والمدهش أن الطرفين استندا إلى المرجعية الدينية ذاتها، لكنهما توصلا إلى استنتاجات سياسية متناقضة تماماً، وهو ما يكشف أن الخلاف لم يكن فقهياً بقدر ما كان خلافاً حول تعريف العلاقة مع «دولة إسرائيل» وحدود الاندماج داخلها.


كما ظهر هذا التباين بوضوح في الموقف من وثيقة «الرؤية المستقبلية للعرب في إسرائيل» التي صدرت عام 2006، وشكلت واحدة من أهم الوثائق السياسية لفلسطينيي الداخل. فبينما تعاملت قطاعات واسعة من النخب العربية مع الوثيقة باعتبارها مشروعاً سياسياً لتطوير مكانة العرب داخل إسرائيل، رفضها الجناح الشمالي للحركة الإسلامية بوصفها رؤية علمانية لا تعكس المرجعية الإسلامية للمجتمع العربي.


وهكذا لم يعد الانقسام داخل الحركة الإسلامية مجرد خلاف تنظيمي، بل تحول إلى صراع حول الهوية السياسية نفسها، هل الأولوية للاندماج والتأثير من داخل المؤسسات الإسرائيلية، أم للحفاظ على خطاب وطني فلسطيني مستقل عن تلك المؤسسات؟


ومن هذا المسار خرج طبيب الأسنان منصور عباس الذي تولى قيادة التيار الجنوبي من الحركة الإسلامية في إسرائيل. ولهذا السبب أصبح منصور عباس النموذج الأكثر قبولاً لدى المؤسسة الإسرائيلية. فالرجل لم يكتف بالمشاركة في الكنيست، بل قاد حزبه «القائمة العربية الموحدة» إلى المشاركة في حكومة نفتالي بينيت عام 2021، وهي الحكومة التي ترأسها أحد أبرز رموز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، بعدما فشل «عباس» في الانضمام لحكومة حاول نتنياهو تشكيلها في العام نفسه بسبب رفض حزب الصهيونية الدينية الذي يترأسه وزير المالية الحالي بتسلائيل سموتريتش.


وخلال السنوات الأخيرة قدم «عباس» سلسلة من المواقف التي أثارت جدلاً واسعاً داخل المجتمع الفلسطيني، من بينها تأكيده أن إسرائيل ليست دولة لكل المواطنين، ولكنها دولة يهودية خالصة ويجب أن تبقى كذلك، وتصريحاته المثيرة للجدل حول الأسرى الأمنيين الفلسطينيين الذين وصفهم بالمخربين مجاملة للأحزاب الصهيونية وقوى اليمين السياسي في إسرائيل، وتركيزه المستمر على الاندماج داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، ومحاولاته التي لا تنتهي لإفشال مشروعات الوحدة بين الأحزاب والقوائم العربية قبيل انتخابات الكنيست.


بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية، كان هذا النموذج المنتمي لحركة الإخوان المسلمين، يمثل الصيغة المثالية للإسلام السياسي، حركة دينية تقبل قواعد النظام الإسرائيلي، وتشارك في مؤسساته، وتتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره ملفاً مدنياً وخدماتياً أكثر من كونه قضية تحرر وطني.


لكن القصة لا تتوقف عند حدود الداخل الفلسطيني، فمع مرور الوقت تحولت بعض شبكات الإسلام السياسي داخل إسرائيل إلى أدوات تأثير إقليمي أيضاً، والمثال الأحدث ظهر في المظاهرة التي استهدفت السفارة المصرية في تل أبيب.


فأي متابع للشأن الإسرائيلي يعرف أن التظاهر أمام سفارة دولة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل لا يتم بقرار فردي أو عفوي. الموافقة الأمنية شرط أساسي وعندما يتعلق الأمر بالسفارة المصرية تحديداً، فإن الأمر يتجاوز الشرطة إلى مستويات أمنية وسياسية أعلى.


ولهذا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يُسمح بتنظيم مظاهرة ضد مصر في قلب تل أبيب، بينما تُمنع عشرات الفعاليات الأخرى بحجج أمنية؟ ولماذا توجهت الهتافات إلى القاهرة بدلاً من مكتب بنيامين نتنياهو أو وزارة الأمن أو منزل إيتمار بن غفير؟


هنا تتقاطع مصالح جماعات الإسلام السياسي مع مصالح اليمين الإسرائيلي المتطرف، فالطرفان ينظران إلى الدور المصري باعتباره عقبة أمام مشاريعهما المختلفة.


فقد دفعت مصر منذ السابع من أكتوبر نحو وقف الحرب على قطاع غزة، ومنع التهجير، وإعادة الإعمار، وتمكين لجنة فلسطينية مستقلة من إدارة غزة.


وهذه الأهداف لا ترضي حماس، كما لا ترضي أجزاء واسعة من الحكومة الإسرائيلية الحالية. ومن هنا أصبح الهجوم على مصر نقطة التقاء بين خصوم يفترض أنهم يقفون على طرفي نقيض.


في الواقع، إن دراسة تجربة حركة الإخوان المسلمين أو ما يعرف عبرياً بـ«الحركة الإسلامية داخل إسرائيل» تكشف حقيقة مهمة.
إسرائيل لم تنظر يوماً إلى الحركات السياسية من زاوية الشعارات التي ترفعها، وإنما من زاوية الوظيفة التي تؤديها.


وحين وجدت في الإسلام السياسي وسيلة لإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية، سمحت له بالنمو. وحين وجدت في بعض تياراته شريكاً يمكن توظيفه داخل الكنيست، فتحت له أبواب النظام السياسي. وحين احتاجت إلى أدوات ضغط إعلامية وسياسية في معاركها الإقليمية، استفادت من الشبكات نفسها بطرق مختلفة.


ولهذا فإن فهم ظاهرة «إخوان إسرائيل» لا يبدأ من المساجد ولا ينتهي عند صناديق الاقتراع. إنه يبدأ من سؤال أكثر أهمية: كيف استطاعت دولة استعمارية أن تحول جزءاً من خصومها إلى أدوات تعمل، بقصد أو من دون قصد، داخل المنظومة التي قامت أصلاً لمواجهتها؟.


--- --- ---
** أستاذ الدراسات الإسرائيلية بكلية الآداب جامعة عين شمس.
** مجلة الوطن العربي - العدد التاسع


مواضيع متعلقة