محمود مرزوق يكتب: أقدم قضية في التاريخ

كتب: محرر

محمود مرزوق يكتب: أقدم قضية في التاريخ

محمود مرزوق يكتب: أقدم قضية في التاريخ

توحّدت مصر تحت حكم الملك «نعرمر»، حدث ذلك فى أواخر الألف الرابع قبل الميلاد. كانت تلك الوحدة السياسية بمثابة شهادة ميلاد لأول دولة مركزية فى تاريخ البشرية، ودولة بهذا الحجم كانت تحتاج إلى ما هو أكثر من سطوة الحاكم، كانت تحتاج إلى قانون.

استخدم المصريون القدماء مصطلحاً أطلقوا عليه «ماعت»، وهى منظومة متكاملة من المفاهيم الأخلاقية والقوانين التى ضبطت إيقاع الحياة فى مصر القديمة. كانت «ماعت» تمثّل النظام الكونى، والحقيقة، والعدالة المطلقة، وحسن السلوك، بل امتد تأثيرها ليشمل الدين والفنون والآداب. وعلى أساسها قامت أركان الدولة المصرية منذ فجر التاريخ، واستمرت جميع محطات الحضارة الفرعونية تسير على هديها عبر آلاف السنين.

وبهذا المعنى، تُعدّ «ماعت» من أقدم المنظومات القانونية المعروفة فى التاريخ الإنسانى، سابقة بذلك شرائع كبرى عرفتها الحضارات اللاحقة، مثل قانون «أورنمو» وقانون «حمورابى» فى بلاد الرافدين، وقانون «مانو» فى الهند، وقانون «دراكون» فى اليونان، وما تلاها من قوانين رومانية شكّلت لاحقاً أساس القانون الغربى الحديث.

والدليل الأبرز على أن هذه المنظومة لم تكن مجرد شعارات أخلاقية، بل كانت قانوناً فعلياً يُطبَّق فى المحاكم، هو «بردية برلين 9010»، المحفوظة فى المتحف المصرى ببرلين، التى عُثر عليها ضمن مجموعة أكبر من البرديات فى جزيرة إلفنتين بأسوان، وتعود إلى عصر الأسرة السادسة، أى إلى نحو عام 2300 قبل الميلاد، ما يجعل عمرها يتجاوز أربعة آلاف عام. هذه البردية، المكتوبة بخط هيراطيقى، تُعدّ من أقدم محاضر الجلسات القضائية المعروفة فى تاريخ العالم القديم، وتوثّق نزاعاً على ميراث يعود إلى عصر بناة الأهرام.

تروى البردية أن رجلاً يُدعى «سُبك حتب» تقدّم إلى المحكمة بوثيقة يدّعى أنها حُرّرت بالاتفاق بينه وبين رجل يُدعى «وسر»، الذى عيّنه، بحسب زعمه، وصياً على ورثته لضمان حصولهم على نصيبهم الشرعى من الميراث.

فى المقابل، طعن «ثاو»، أحد أبناء المتوفى «وسر» ومن المرجّح أنه الابن الأكبر، فى صحة هذه الوثيقة، مؤكداً أنها مزوّرة، وأنه هو من يجب أن يبقى الوصى الوحيد.

وأمام هذا التضارب، أصدرت المحكمة قراراً فاصلاً لافتاً فى صياغته: على «سُبك حتب» أن يحضر ثلاثة شهود عدول يشهدون بصحة الوثيقة، وأن يُقسم هؤلاء الشهود يميناً صاغته المحكمة بنفسها، يستحضر غضب الإله ضد من يحلف زوراً. وإذا عجز عن ذلك، خسر القضية تلقائياً. فالحكم إذن كان مشروطاً بنتيجة إثبات صحة الوثيقة، ولا توجد فى النص أى إشارة إلى رجوع القضاة لقانون مكتوب، أو إلى نقاش دار بينهم قبل إصدار الحكم، وهو ما يجعل الباحثين حذرين من استخلاص استنتاجات عامة واسعة من مصدر وحيد.

ورغم هذا التحفظ العلمى، تبقى القضية شاهداً مهماً على وجود إجراءات قضائية منظمة فى مصر منذ عصر بناة الأهرام. فالقضية لم تُنظر فى العاصمة «منف» (ممفيس)، مقر السلطة المركزية، بل فى محكمة محلية بعيداً عن مركز الحكم، ما يشير إلى أن آليات التقاضى لم تكن حكراً على العاصمة وحدها.

كما أن حضور الطرفين شخصياً أمام المحكمة، وبدء المدعى بعرض وثيقته، ثم ردّ المدعى عليه، يعكس نمطاً إجرائياً ثابتاً استمر عبر عصور مصرية لاحقة. أما فكرة «حلف اليمين» التى وجّهتها المحكمة لأحد الطرفين، فتبقى من أقدم الإشارات الموثّقة لهذا الإجراء القانونى، الذى لا يزال معمولاً به فى المحاكم حول العالم حتى اليوم، وإن كانت صيغته القديمة، باستحضار الغضب الإلهى، تختلف بطبيعة الحال عن صورته المعاصرة.

يجدر بالذكر أن مشروعاً بحثياً أوروبياً كبيراً، بقيادة الباحثة فيرينا ليبر من المتحف المصرى ببرلين، يعمل حالياً على أرشفة ورقمنة وترجمة آلاف النصوص المتناثرة من جزيرة إلفنتين، والموزّعة على أكثر من ستين مجموعة حول العالم، بما يعد بإماطة اللثام عن مزيد من التفاصيل حول الحياة القانونية والاجتماعية فى مصر القديمة.

تلخص البردية قصة محكمة محلية فى أسوان فصلت قبل نحو 4300 عام فى نزاع ميراث بين طرفين، وفق إجراءات مدوّنة وشهود، فى زمن كان فيه العالم لا يزال لا يعرف الكتابة فى أغلب بقاعه. وهذا وحده يكفى لتفسير لماذا لا تزال بردية برلين تُدرَّس حتى اليوم كواحدة من أقدم النوافذ التى تطلّ منها البشرية على تاريخها القانونى.


مواضيع متعلقة