الفرار إلى السماء

شأنه شأن أي نبي دعا النبي «إلياس» قومه إلى «التوحيد»، وشأنهم شأن أي مجموعة وثنية رفض قومه الاستجابة له، تعجب النبي منهم أشد العجب، وسألهم كيف ترضون بعبادة حجر أو بشر لا يضر ولا ينفع ولا يملك لكم موتاً ولا حياة ولا نشوراً وتتركون عبادة الواحد الأحد؟. قال تعالى في سورة «الصافات»: «وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ».

من بنية الجمل الكريمة التي تنقلها الآيات المباركات تستطيع أن تستخلص أبرز سمات شخصية نبي الله «إلياس»، فالأسئلة التي يطرحها تدل على عقلانيته، والجمل القصيرة تدل على وضوح الأفكار في ذهنه، وتشير إلى شخصيته البليغة الحاسمة، لكنها قد تدل من جهة أخرى على ضجره من قومه الذين لا يستجيبون للحق والحقيقة.

وصل «إلياس» -مع قومه- إلى عتبة «اليأس» فقرر أن يضغط عليهم، وضربهم في مقتل، حين دعا ربه أن يمنع عنهم المطر، لقد أراد بذلك أن يعالج أكثر من جانب في إشكاليته مع قومه، أولها: إثبات عجز الصنم الذي يعبدونه «بعل» عن إغاثتهم إذا شحت عليهم السماء بالمطر، لقد كانوا يرون في بعل إلهاً للمطر وللخصوبة وإنبات الأرض، كما حكيت لك، فضربه «إلياس» فيما كانوا يعتقدون أنه مكمن قوته، حتى يدركوا أنه حجر أو بشر عاجز عن ينزل لهم مطراً، أو ينبت لهم زرعاً، وثانيها: أنه أراد أن يذيقهم من كأس اليأس الذي سقوه منه، فالجدب وانقطاع المطر هو أساس اليأس، والغيث هو جوهر الرحمة، فلحظات الجفاف لحظات يأس مستطير يعيشها الإنسان، ويشعر معها باليأس العميق من استمراره فوق ظهر الحياة، ويشرع في توقع الهلاك في أي لحظة، أما نزول المطر فيمنح الأمل ويُعمّق إحساس الفرد بالسعادة وحب الحياة. يقول تعالى في سورة «الشورى»: «وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلىُّ الْحَمِيدُ».

بعد انقطاع المطر وسيطرة الجفاف على الحياة داخل الأرض التي عاش فوقها «إلياس» قرر الاختفاء، فاختبأ في بيت امرأة من بني إسرائيل، وكان هؤلاء يطاردون أي بيت يشتمون فيه رائحة طعام أو خبز، فانطلقوا يخطفون «اللقمة» من بعضهم البعض، وظلوا على تلك الحال، كان أمامهم طريق للحل لكنهم أبوا السير فيه وتمسكوا بوثنيتهم، أراد أحد تلامذة «إلياس» والمؤمنين به أن يحل لهم المشكلة، فخرج وعرض عليهم الإيمان مقابل المطر فرضوا، فدعا لهم فأمطرت السماء واخضرت الأرض، فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى ارتووا، وبعد أن امتلأت البطون اطمأنت النفوس، وعادوا إلى طول الأمل فيها، ورجعوا إلى ضلالهم القديم.

في هذه اللحظة كان «إلياس» قد كبر وطعن في السن وأوجعه معصية قومه، فنظر إلى السماء، ودعا ربه باللقاء، فقبضه الله وصعد إليه ليحيا في ظلال رحمة الخالق العظيم.