لعبة «الدجاجة والبيضة»

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

بعد مرور فترة زمنية على عدم تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى «غزة»، ورفض إسرائيل الالتزام بتنفيذ بنوده، يسعى الجيش الإسرائيلى لتوسيع المنطقة العازلة وتقليص مساحة الخط الأصفر، وتسابق حكومة اليمين المتطرف الزمن لإكمال مخططاتها بإعادة احتلال قطاع غزة، وتهجير سكانه بكل الوسائل، باستمرار العدوان وتصعيده بجميع أشكاله، من قصف على مخيمات النازحين، وهدم ما تبقى من منازل، وقتل المواطنين العزل دون مبرر.

ومع تعطيل تسلُّم «مجلس السلام فى غزة» مهامه، قام بعقد اجتماعات سياسية وأمنية مطلع الأسبوع الماضى فى قبرص؛ لبحث ترتيبات المرحلة المقبلة فى قطاع غزة، بالتزامن مع استمرار مباحثات فى «القاهرة» بين وفد قيادى من حركة حماس والوسطاء بشأن تطوير اتفاق وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية منه.

شارك فيها مستشارو المجلس وأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة «غزة»، والممثل الأعلى للمجلس فى القطاع «نيكولاى ملادينوف»، ورئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير، وذلك بهدف بلورة خطة شاملة لما يعرف بمرحلة «اليوم التالى فى غزة».

وفى خطوة استباقية لإبداء المرونة وحسن النوايا، قامت حركة حماس بحل حكومتها المدنية فى «غزة» فى السابع من الشهر الجارى، وتسليم المهام الإدارية إلى لجنة وطنية تكنوقراطية مدعومة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة (كجزء من خطة ترامب للسلام المكونة من 20 بنداً) وهى خطوة تهدف إلى إزالة ذريعة وجود حكومة «حماس»، ودفع المرحلة الثانية من الاتفاق الذى بدأ فى أكتوبر من العام الماضى، إلا أن إسرائيل ترفض الاعتراف بخطوة «حماس» وتستمر فى ربط التقدم بنزع السلاح الكامل.

تشمل المرحلة الثانية نزع سلاح «حماس» والفصائل كاملاً أو هجومياً (الأسلحة الثقيلة)، وانسحاب إسرائيلى إضافى نحو الخطوط المحددة مع الاحتفاظ بمناطق أمنية حدودية مع غلاف «غزة»، وبدء إعادة الإعمار، مع نشر قوة دولية للاستقرار، وإدارة انتقالية تكنوقراطية.

لكن بمجرد إعلان «حماس» عن حل الحكومة، رفضت إسرائيل الخطوة فوراً ووصفتها بـ«الاستقالة الشكلية أو الدوران التى لا معنى لها»، متذرعة بأن أعضاء «حماس» يبقون فى مناصبهم أو يسيطرون فعلياً، وسارع «نتنياهو» ومسئولون إسرائيليون للتأكيد بأن المرحلة الثانية تركز أساساً على تفكيك «حماس» ونزع سلاح «غزة»، وأن إسرائيل لن تنسحب (خاصة شرق الخط الأصفر) دون تقدم حقيقى فى ذلك، كما هدد جيش الاحتلال باستئناف العمليات العسكرية إذا لم يحدث نزع السلاح، وهو ما كان متوقعاً من إسرائيل التى لديها مخططات وسيناريوهات جاهزة، وأدوات عدة لعرقلة التقدم رغم خطوة «حماس»، أهمها التمسك بشروط نزع السلاح كبوابة أولى، إذ ترفض أى انسحاب أو إعمار قبل تقدم ملموس فى نزع السلاح وتدمير الأنفاق، وهى تعلم جيداً أن «حماس» ترفض ذلك قبل انسحاب كامل أو ضمانات (لعبة الدجاجة والبيضة، أيهما أسبق)، وهذا يسمح بالتلكؤ والتأخير المستمر على حساب حياة الفلسطينيين فى «غزة»، الذين ضاقت بهم سبل العيش، وضاعفت معاناتهم الإجراءات والاعتداءات الإسرائيلية أملاً فى التهجير.

كذلك ادعاءات إسرائيل بعدم التنفيذ الفعلى، بالتركيز على أن «حماس» تبقى مسيطرة أمنياً رغم الاستقالة الإدارية، هى ذريعة لاتهام «حماس» بإعادة التسليح أو الاحتفاظ بالبنية التحتية العسكرية، مما يبرر الضربات المستمرة التى قتلت أكثر من ألف فلسطينى منذ الهدنة. تخطط إسرائيل جدياً للاحتفاظ بمناطق واسعة (حوالى 55% أو أكثر حسب مراحل الانسحاب)، وترفض أى قوة دولية لا توافق عليها مثل رفض وجود قوة تركية، فضلاً عن الإصرار على أن الجيش الإسرائيلى هو الضامن الأمنى!! فكيف يكون ذلك؟

وهناك الأسباب المعروفة والمعلنة مثل الضغط السياسى الداخلى والتحالفات، فشركاء «نتنياهو» اليمينيون مثل «بن جفير وسموتريتش» يهددون بسحب الدعم إذا تم التنازل واستخدام الضربات الدقيقة ضد أهداف «حماس» كوسيلة للحفاظ على التوتر دون خوض حرب شاملة.

تراهن إسرائيل على الوقت والانتظار حتى تتم تغيرات سياسية مثل الانتخابات، أو ضغوط أمريكية، أو إعادة تقييم الوضع على الأرض، لذا هى تعمل على سيناريوهات أخرى مثل التأخير الفنى وذلك بالتشكيك فى استقلالية اللجنة التكنوقراطية، أو اشتراط موافقة إسرائيلية على أعضائها، كذلك استمرارها فى التصعيد بشن ضربات متكررة تبررها بتهديدات «حماس»، أو إعادة التسلح، مما يعيق الاستقرار اللازم للمضى قدماً فى المرحلة الثانية، لكن التحديات الأوسع تبقى فى يد الولايات المتحدة و(ترامب)، وسيلة الضغط الوحيدة النافذة لفرض التقدم، لكنها أيضاً تؤيد نزع السلاح.

المشهد معقد وإسرائيل ترد على خطوات «حماس» بالمزيد من الخطوات المضادة والتشكيك وتصعيد العدوان، وهو الأمر الذى يحتاج تدخلاً حازماً للفصل بين الجانبين وتحديد الأولويات. الوضع الإنسانى فى «غزة» يتدهور، ويزداد قسوة وكارثية على السكان بسبب التأخير وعدم اتخاذ خطوات ملموسة على أرض الواقع، هذه الديناميكية تعكس عدم ثقة عميقة بين الطرفين، حيث يستخدم كل طرف الخطوات الرمزية لنقل الكرة فى ملعب الآخر، لكن التقدم يعتمد بشكل كبير على الضغط الأمريكى والدولى الجاد حتى تدخل المرحلة الثانية من الاتفاق حيز التنفيذ الفعلى.