حراس التراث في الأزقة العتيقة.. أنامل ذهبية تعيد هيبة القطع التراثية
حراس التراث في الأزقة العتيقة.. أنامل ذهبية تعيد هيبة القطع التراثية
كتبت - ساره محسن:
في الأزقة العتيقة هناك جنود مجهولون، ليسوا مجرد حرفيين، بل «حراس للتراث».. وصنّاع للهوية، اختاروا طواعية أن يربطوا مصيرهم بمهن تبرز قيمة وهيبة الماضي، في ظل الهوس العالمي بالتكنولوجيا الحديثة، والمهن التي تفتقر للروح، ممسكين بأدواتهم البسيطة؛ ليعيدوا النبض إلى قطع كادت تتلاشى، مؤكدين أن هيبة التاريخ لا يمكن أن تُحاكيها أحدث الماكينات، وأن لكل قطعة قديمة قصة تستحق أن تُروى وتُعاش من جديد.
في ورشة قديمة يفوح منها عبق التاريخ وما زالت تحتفظ بملامح الزمن الجميل، ينهمك الشاب حازم الحريري،31 عامًا، في العمل بمهنة دقيقة تُعرف باسم «الرفه». هذه الحرفة ليست مجرد عمل عابر بالنسبة لـ«حازم»، بل هي إرث عائلي متوارث منذ عام 1963، تخصصت في ترميم الأثاث التراثي، لاسيما الصالونات الفرنسية القديمة، والسجاد، والقطع النادرة التي يتجاوز عمر بعضها الـ100 عام، مما يمنحها قيمة تاريخية وجمالية استثنائية.

تتراص القطع الفرنسية في الورشة لتبدو كشواهد حية على فنون كانت تزخر بزخارفها الدقيقة وأقمشتها المهترئة من قدم الاستخدام، ويرى «حازم» أن التعامل مع هذه «الصالونات» تحديدًا يتطلب دقة متناهية، نظرًا لتعقيد تفاصيلها وخاماتها، وارتباطها الوثيق ببيوت عريقة وقصص إنسانية امتدت عبر الأجيال، مما يفرض مسؤولية كبيرة للحفاظ عليها.
يقول حازم معبرًا عن شغفه: «كل قطعة بنرممها بتحس إنها مش مجرد أثاث، دي حاجه أغلى وأهم، وكل تفصيلة ليها روح وحكاية». هذا الإحساس هو ما يدفع «حازم» للتعامل مع كل قطعة كلوحة فنية فريدة تتطلب الصبر والتركيز، وليس كعملية إصلاح تلف جافة.
ورغم أن المهنة ممتدة في عائلته لأكثر من ستين عامًا، إلا أن دافع «حازم» الشخصي واختياره لها ينبع من حبه الشديد للرسم والتلوين، وهو ما منحه قدرة خاصة على فهم تناسق الألوان وإعادة بناء التفاصيل الجمالية المفقودة.
ورغم قلة الشباب المهتمين بهذه الحرفة اليوم؛ نظراً لطول فترة التدريب ودقة العمل، إلى جانب ضعف الاهتمام العام بالحرف التراثية، إلا أن «حازم» يصر على الاستمرار، مؤكداً أن الأمر يحتاج إلى شخص يشعر بأن ما أمامه هو قطعة من التاريخ وليس مجرد «شغلانة وخلاص».
وفي زاوية أخرى هادئة بأحد شوارع مصر القديمة، تفوح رائحة الورق العتيق، وتمتزج بلمعان الجلود الطبيعية داخل ورشة صغيرة تحمل بين جدرانها تاريخاً عريقاً.
هناك يمارس الشاب إسلام الشال حرفة تجليد الكتب، وهي حرفة قد تبدو غائبة عن الأعين، لكنها تمنح الكتب حياة جديدة وتصنع منها قطعاً فنية تحافظ على هيبتها وعمرها.
يصف «إسلام» مهنته بأنها فن يدوي خالص يرفض الآلة والماكينات الحديثة، فـالطابع القديم هو ما يمنح الكتاب قيمته وجماله الأصيل، وقد تشرب «إسلام» أسرار هذه المهنة على يد معلمه الذي قضى فيها أكثر من 50 عامًا، ليتسلم منه الراية عازماً على إكمال المسيرة.
تبدأ رحلة التغليف باختيار الجلد المناسب، حيث يصل الجلد إلى الورشة جاهزاً بعد مروره بمراحل الدباغة والصباغة باللون المطلوب في المدابغ الخارجية، بعد ذلك، تبدأ المرحلة اليدوية الدقيقة، حيث يُفصَّل الجلد وفق مقاسات الكتاب، وتُرفع الزوائد، وتُجهز القطع بعناية فائقة قبل دهنها وتركيبها على الغلاف.

ورغم أن ورشة «إسلام» لم يمضِ على افتتاحها سوى عام واحد، إلا أن علاقته بالحرفة تعود إلى نحو خمس أو ست سنوات، حيث قاده حب الكتب وعالمها لتعلمها، ووجد نفسه مستمراً ومبدعاً فيها.