كأس العالم الجديد
انتهى كأس العالم فعلياً بخروج مصر المشرف بعد هزيمة موجّهة أمام المنتخب الأرجنتيني، في مباراة افتقدت أبسط مبادئ العدالة التحكيمية، وشهدت إهداراً متعمّداً لأبسط مظاهر تكافؤ الفرص، وازدواجية فجّة في المعايير، أغضبت الغالبية العظمى من مواطني إمبراطورية كرة القدم العالمية، عجز الاتحاد الدولي لكرة القدم عن تبريرها، واكتفت إمبراطورية الفيفا بقصائد الغزل في الحماس المصري والأداء المشرّف للمنتخب خلال هذه المنافسات.
والمكاسب المصرية في هذه النسخة من كأس العالم كثيرة، أبرزها الإنجازات غير المسبوقة بالتأهل للدور الثاني من البطولة، ثم الفوز لأول مرة في المنافسات الإقصائية، وكسر عقدة كأس العالم عقب ثلاث مشاركات سلبية، استعاد المنتخب المصري هويته وشخصيته داخل الملعب، وفرض أسلوب لعبه على القوى الكروية العظمى، وحظي باحترام كل المشاهدين، الذين اعتبروا ما حدث في مباراة الأرجنتين اغتيالاً للبطولة وليس إقصاءً للمنتخب المصري.
خارج الملعب، عبّرت الجماهير المصرية عن وطنها بشكل رائع، وشارك المصريون بالخارج في تشجيع المنتخب في مبارياته في كندا وأمريكا، ولم تكتفِ الجماهير المصرية بالتشجيع داخل الملعب فقط، نظمت مسيرات حضارية في شوارع المدن التي استضافت مباريات المنتخب، لدرجة لفتت أنظار الصحف العالمية وجماهير باقي المنتخبات المشاركة في البطولة.
كما حقّقت مصر مكسباً سياسياً مهماً باستدعاء القضية الفلسطينية للتجمع البشري الأكبر في العالم، عبر تصريحات الكابتن حسام حسن وشكره للأشقاء في فلسطين على تشجيعهم المنتخب المصرى، رغم الظروف القاسية التي يعيشون فيها، كما حقّقت مصر عدداً من الإنجازات التسويقية الكبرى، سواء بالإعلان عن حصول مباراة مصر وإيران على لقب المباراة الأكثر مشاهدة خلال الدور الأول، أو بارتفاع أسعار تذاكر مباريات المنتخب المصري عن غيرها من المباريات، كل هذه المكاسب استدعت التكريم الرفيع الذي نالته بعثة المنتخب من الرئيس عبدالفتاح السيسي، تعبيراً عن تقدير مصر لما بذله اللاعبون من جهد، وتشجيعاً على تحقيق المزيد من الانتصارات في المستقبل.
بعيداً عن المنتخب المصري، كانت هذه النسخة من كأس العالم هي الأسوأ في ما يخص الحياد والعدالة والمساواة ونبذ الخلافات السياسية، هذه المبادئ هي سر شعبية كرة القدم، وسر انتشارها بين شعوب العالم، شهدت هذه النسخة مهازل كبرى عانت منها جميع أطراف اللعبة، بدأت بمنع الحكم الصومالي الأفضل في إفريقيا من المشاركة في البطولة، ومنع منتخب إيران من الإقامة في أمريكا، إضافة إلى تطبيق معايير أمنية موجّهة ضد مشجعي بعض المنتخبات المشاركة في البطولة، ما أدى إلى حرمانهم من تشجيع منتخباتهم في هذا الحدث الرياضي المهم.
وامتدت لتصل إلى تفتيش بعض المنتخبات المشاركة في البطولة ذاتياً لدى وصولهم إلى الولايات المتحدة، ولم يحدث ذلك سراً في الغرف المغلقة، بل علناً وأمام كاميرات الإعلام، فضلاً عن تدخّل الرئيس الأمريكي لإلغاء استبعاد أحد لاعبي فريقه في سابقة لم تحدث من قبل، كما تدخّل رئيس الوزراء البريطاني لمنع تغيير موعد منتخب بلاده أمام المكسيك، وكلها مظاهر غريبة عن اللعبة الشعبية الأولى، وتضرب مبدأ عدم التدخّل الحكومى في مقتل!
كم التجاوزات التي شهدتها هذه النسخة تسبّب في خروج مظاهرات ضد الفيفا في أكثر من مدينة أوروبية، وفتح ملفات فساد الفيفا لدى الاتحاد الأوروبي، ولكن الرسالة الأبرز كانت التغيير. أثبتت البطولة أن كرة القدم تعاني مما يعانيه العالم اليوم، وبدلاً من أن تنقل كرة القدم سلامها ومزاياها للعالم، تأثّرت الساحرة المستديرة بحروبه وسلبياته، وبدا واضحاً أن هذه النسخة ليست إلا بداية لكرة قدم جديدة تختلف تماماً عما قبلها، كرة قدم لم نعرفها من قبل!