العقيدة العسكرية ما بعد «خامنئي».. الحرس الثوري بين حرب الاستنزاف وانحسار الخيارات

سيد حسين

سيد حسين

كاتب صحفي

شكّلت الضربات العسكرية الأمريكية مصدراً من مصادر تراجع خطوط الردع التقليدية لطهران، وسط حالة من التشاؤم سرت في أوساط السياسة الدولية التي بدأت تحذر من سيناريو حَذِر قد يجبر الحرس الثوري على العودة للمخططات القديمة من خلال الإرهاب العابر للحدود كأداة موازية، بما يمثل عودة صريحة إلى استراتيجية الصدمة والترويع التي أسسها الحرس في ثمانينات القرن الماضي عبر إحدى أذرعه العتيقة في دولة مجاورة، مدفوعاً بالحصار الاستراتيجي الأمريكي الذي بات يهدد العمق الجيوسياسى في إيران، وبعد حرب الـ12 يوماً، ربما دُفع بعض قيادات الحرس الثوري إلى التفكير في أدبيات حرب العصابات مرة أخرى مستعيدين إرث الماضي حينما اُستخدام العنف ضد المصالح الغربية والإقليمية، كعقيدة عسكرية بديلة تسعى لفرض تكلفة باهظة على الخصوم من خلال الاعتماد على الوكلاء والعمليات السرية.

مؤخراً، كشفت الأجهزة الاستخباراتية الغربية، اعتماد طهران على عصابات المافيا العابرة للقارات، وهو ما أكدته شواهد الأمن الأوروبى بالتنسيق مع الأجهزة المعلوماتية الأمريكية، التي توصلت إلى تجنيد طهران شبكات إجرام دولية، من بينها عصابة مافيا أذربيجان في روسيا، وعصابات المخدرات في فرنسا، وجماعات الجريمة المنظمة في ألمانيا لتنفيذ هجمات إرهابية أبرزها محاولة تفجير بنك أمريكا في باريس، إلى جانب استهداف معارضين ومؤسسات غربية، من خلال الهجمات السيبرانية الموجهة للاغتيال المادى والمعنوى عبر جمع معلومات دقيقة عن شخصيات سياسية وعسكرية، وهو ما رصده الشاباك الإسرائيلي الذي أحبط أكثر من 85 هجوماً سيبرانياً إيرانياً معقداً استهدف اختراق هواتف وحسابات ساسة، وعسكريين، بهدف تحديد مواقعهم الجغرافية الدقيقة وجداول تحركاتهم.. فما بين الماضي والحاضر قد لا تختلف الفلسفة الإيرانية التي اعتمدت على تحويل الإرهاب من أداة تقويض ثانوية إلى ركيزة لإدارة الصراع وإرساء معادلات جديدة تجعل أمن المنطقة رهينة مغامرات غير محسوبة العواقب.

حين تُقرأ سجلات إيران الأمنية منذ أوائل الثمانينات، يتضح أن الإرهاب لم يكن رِدة عابرة عن المسار السياسي التقليدي وإنما جسّد أداة أصيلة من أدوات الدولة، تُستدعى كلما تعثرت القنوات الدبلوماسية أو أراد النظام إبلاغ خصومه رسالة لا تحتمل التأويل ولا القراءات التي يمكن وصفها بحمّالة الأوجه، حيث استغرقت طهران عقوداً من التجربة والتكيف داخل سياق ثوري متقلب، بلورته صراعاتها المتراكمة مع دول الجوار، إلى أن أثمرت هذه الخبرة عن انتهاج العنف في الماضي بوصفه وسيلة ناجعة لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز حدود الجمهورية.

بمرور الزمن تحول هذا السلوك إلى ركيزة خاملة من ركائز العقيدة الأمنية، توارثتها الأجيال المتعاقبة من قادة الحرس كما تتوارث الخبرة العسكرية التقليدية ذاتها، وفي أعقاب الضربات الأخيرة التي مُنى بها النظام في 2026، بدأ يفكر في العودة إلى وسائله القديمة بعدما تيقن من تراجع نفوذه الإقليمى وتصاعد الضغط الأمريكى الإسرائيلى، ففي الماضي شكّل أحد الأحزاب السياسية في دولة مجاورة نموذجاً مبكراً لتوظيف التنظيمات الأيديولوجية القريبة عقائدياً من طهران في تنفيذ مهام يصعب على الدولة تنفيذها مباشرة دون تحمل تكلفة دبلوماسية باهظة، وفي حقبة التسعينات وصف كثيرون هذا الحزب بأنه مجرد حليف عقائدى، إلا أن عناصره سرعان ما تحولت إلى سواعد تنفيذية باشرت عمليات ضد مصالح غربية وخليجية، مستفيدة من شبكة دعم لوجيستى وتمويل يصعب اقتفاء أثرها بدقة، لكونها تمر عبر قنوات غير رسمية وواجهات خيرية ودينية تتوارى خلفها.

تكرر هذا النموذج لاحقاً بصيغة أكثر تعقيداً مع حزب الله اللبنانى، الذي انتقل من مجرد جماعة محلية محدودة الإمكانات إلى حليف إقليمى متعدد المهام وقادر على تنفيذ عمليات نوعية بعيداً عن الجغرافيا اللبنانية، بدءاً من استهداف السفارات وانتهاءً بتنفيذ اغتيالات مركّبة تستلزم تخطيطاً استخباراتياً دقيقاً، فضلاً عن توظيف الحزب في شبكات تجارة دولية، وسبق الكشف عن منظومة تجارية عالمية يديرها الحزب، تتوزع نشاطاتها بين القارتين الأوروبية والأفريقية. وتظل محاولة اغتيال أمير الكويت عام 1985 من أكثر المشاهد دلالة على هذا النهج، حيث مثلت تلك العملية جزءاً من استراتيجية متطرفة سعت من خلالها طهران إلى معاقبة دول الخليج على دعمها للعراق في حربها الممتدة لثمانى سنوات، وفي الوقت ذاته بعثت برسالة مؤداها أن أى دعم يُقدَّم لخصومها سيُقابَل بثمن مباشر يطول أعلى مستويات صنع القرار السياسى.

لم تنجح العملية التي نُفذت عبر سيارة مفخخة في بلوغ غايتها باستهداف موكب الأمير، إلا أنها رسّخت فكرة أن إيران قادرة على الوصول إلى أى هدف مهما بدا محصناً بالحماية، ومن ثم فإن هذا الطراز من العمليات تم تنفيذه بأشكال متباينة عبر العقود اللاحقة، من محاولات استهداف دبلوماسيين ورجال أعمال إلى عمليات اغتيال إما نُفذت أو أُحبطت في عواصم أوروبية وأمريكية، وهو ما يؤكد استمرار تحكم البنية العقائدية التي لا تتأثر بتبدل القيادات أو تغير الظروف الإقليمية، ولعل أبرز محطات هذا المسار تفجير السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983، ثم تفجير ثكنات المارينز الأمريكية والفرنسية في أكتوبر من العام ذاته، بوصفهما نقطة التأسيس الفعلية لعمليات التفجير الانتحارى الموجّه، الذي تبنّته السواعد الإيرانية لاحقاً كأداة استراتيجية لإخراج القوات الأجنبية من الساحات المتعارضة مع نفوذها.

ربما يعود هذا الإرث التاريخى إلى الواجهة مجدداً مع تصاعد التقارير حول تهديدات إيرانية باستهداف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، في سياق يُقرأ بوصفه امتداداً مباشراً لمنطق الثأر الذي حكم سلوك طهران تجاه من تعتبرهم مسئولين عن اغتيال قادتها وقادة حزب الله، وإذا صحت هذه التهديدات، فإنها لا تمثل خروجاً عن السياق التاريخى، بل تأكيداً إضافياً له، لأن إيران تعاملت مع الاغتيالات في الماضي بوصفها أداة رمزية غايتها استعادة توازن الردع النفسى الذي يتعذر تحقيقه عسكرياً في كثير من الأحيان.

وبقدر حرص القادة السابقين في طهران على توازن الخطاب الرسمى، بعيداً عن السلوك الفعلى للوكلاء الإقليميين الذين يتحركون وفق منطق أقرب إلى العقيدة الأمنية بعيداً عن الحسابات الدبلوماسية المعتادة، فإن الرسالة التي بعث بها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، حين تحدث عن انتقام أحرار العالم، خرجت عن هذا السياق المنضبط، مدفوعة بعملية اغتيال طالت والده وقادة الصفين الأول والثانى في دولة مرهقة.

يفرض هذا الواقع سؤالاً بالغ الحساسية يتصل بسلوك طهران المحتمل مستقبلاً إذا ما استُنزفت فعلياً في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة أو حتى مع إسرائيل، فالأنظمة التي تستشعر ضيق خيارات الردع التقليدية تميل إلى اللجوء لأدوات أكثر مرونة وأقل كلفة، ويمثل العنف واحدة من أبرز هذه الأدوات المتاحة، ووفقاً لهذا السيناريو، لن يظل الحرس الثوري مجرد قوة عسكرية تقليدية منهكة، بل سيتحول تدريجياً إلى شبكة من الخلايا القادرة على العمل بشبه استقلالية، مستندة إلى عقود متراكمة من الخبرة في العمل السرى وبناء شبكات التمويل وتهريب السلاح والدعم اللوجيستى العابر للحدود.

المعطيات الراهنة تؤكد أن هذا التحول لا يمكن استبعاده من الحسابات الأمنية، فهناك نماذج مصغرة بالفعل في العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث تنشط فصائل موالية بدرجات متفاوتة من الاستقلالية عن القيادة المركزية في طهران، إلا أن تحقق هذا السيناريو بصورته الكاملة يظل مرهوناً بمحددات عدة لا يجب إغفالها، على رأسها قدرة القيادة الإيرانية على صون تماسك قنوات القيادة والسيطرة داخل الحرس الثوري، لأن أى تفكك تنظيمى حقيقى قد يُؤدى إلى فوضى غير محسوبة مقارنةً بالاستراتيجية الممنهجة المتماسكة.

وحال استهداف البنية التحتية النووية من قبل الجيش الأمريكي أو جيش الاحتلال، فإن الأمر يختلف جوهرياً في تداعياته عن استهداف قيادات الحرس الثوري مباشرة، ويُرجَّح أن يفضي هذا السيناريو إلى إطلاق دورة انتقام واسعة النطاق تتوقف آلياتها على موقف الحلفاء الإقليميين لإيران، وما إذا كانوا سيقبلون تحمل كلفة تنفيذ عمليات عنف نيابة عنها في ظل ضغوط دولية متصاعدة قد تطال مصالحهم المباشرة.

إن ما تشهده المنطقة اليوم قد لا يكون بداية سياسة إيرانية جديدة تفكر في استخدام العنف كوسيلة ناجعة لإرهاب الأعداء، لأن العقيدة الأمنية للحرس الثوري تتكيف مع الظروف المستجدة دون أن تتخلى عن إرثها التأسيسى، والفارق الوحيد بين حقبة التسعينات والمرحلة الراهنة هو أن أدوات هذه العقيدة بدت أكثر تعقيداً وانتشاراً تزامناً مع تراجع قدرة الدولة المركزية على ضبط إيقاعها بالكامل، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد خامنئي، أياً كان شكلها السياسى المقبل، محكومة ببنية أمنية موروثة قد لا يستطيع أحد تفكيكها.