القوة الرقمية للجماهير.. قراءة في ما بعد مباراة مصر والأرجنتين

أحمد بركات

أحمد بركات

كاتب صحفي

هل يشهد العالم ميلاد بُعد جديد من أبعاد القوة؟

لم تنتهِ مباراة مصر والأرجنتين بإطلاق صافرة الحكم، فمع نهاية الدقائق التسعين، بدأت مباراة أخرى عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن هذه المرة لم تُلعب على أرض الملعب، بل على شاشات الهواتف، لتتحول -خلال ساعات- منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة عالمية للنقاش والاحتجاج والتحليل، شارك فيها ملايين الأشخاص من مختلف أنحاء العالم.

إن ما جرى يدفعنا إلى سؤال يتجاوز كرة القدم بكثير، هل دخل العالم عصراً جديداً من القوة؟

لقد تناولت الأدبيات التقليدية في العلاقات الدولية، القوة من خلال أبعاد رئيسية أبرزها: القوة الخشنة التي تعتمد على الجيوش، والعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، والقوة الناعمة، التي تقوم على الثقافة والتعليم، والإعلام والفنون، والقدرة على الإقناع.

ثم ظهرت مفاهيم أخرى مثل القوة الذكية، التي تقوم على المزج بين أدوات القوة الخشنة والناعمة وفقاً لطبيعة الموقف، لكن الثورة الرقمية ربما تفرض علينا اليوم سؤالاً جديداً: هل أوجدت التكنولوجيا نوعاً آخر من القوة، مصدره الجماهير نفسها؟!

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن ملايين الأشخاص، عندما يجتمعون حول قضية واحدة عبر الفضاء الرقمى، يستطيعون التأثير في المشهد العام بصورة لم تكن ممكنة قبل عقدين من الزمن.

لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة أمثلة متكررة على هذا النوع من التأثير؛ من حملات دفعت شركات عالمية إلى مراجعة سياساتها، إلى تحركات رقمية أثرت في الأسواق المالية كما حدث في قضية GameStop، كما شهدت بعض المبادرات الصحية والغذائية التي انتشرت رقمياً في الآونة الأخيرة تأثيراً ملحوظاً في سلوك المستهلكين، أثر اقتصادياً على شركات عدة، ثم وصولاً إلى الجدل الواسع الذي صاحب مباراة مصر والأرجنتين، جميعها تؤكد أن الفضاء الرقمى لم يعد مجرد منصة للتعبير، بل أصبح ساحة حقيقية للتأثير.

فقد دفعت شركات عالمية إلى مراجعة قراراتها، وأجبرت شخصيات عامة على تقديم اعتذارات، وأعادت ترتيب أولويات وسائل الإعلام، كما أسهمت الحملات الرقمية في زيادة الحضور العالمى لقضايا إنسانية، من بينها القضية الفلسطينية، عبر توسيع نطاق التغطية والنقاش العام، وأصبحت الحكومات والمؤسسات الدولية تتابع اتجاهات الرأى العام على المنصات الرقمية، باعتبارها أحد المؤشرات المهمة عند قراءة المزاج العام.

ومن هنا، أطرح مفهوماً يستحق النقاش: القوة الرقمية للجماهير، وهي قدرة مجتمع متصل رقمياً على صناعة تأثير حقيقي في الرأي العام، وفي السمعة، وفي أولويات النقاش، وفي البيئة التي تُتخذ داخلها بعض القرارات.

وإذا كانت هذه القوة حقيقة آخذة في التشكل، فهل ينبغي أن تصبح جزءاً من مؤشرات قياس قوة الدول؟ وهل سيأتي يوم تضع فيه مراكز الدراسات، إلى جانب القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية، مؤشراً لقياس التأثير الرقمي للمجتمعات؟

إنها قوة لا تحمل السلاح، ولا تمتلك قناة تليفزيونية، ولا تحتاج إلى حدود جغرافية، إنها قوة تنشأ عندما تتحول ملايين الأصوات الفردية إلى حضور رقمى مؤثر، ولا يعني ذلك أن هذه القوة أصبحت بديلاً عن القوة الخشنة أو القوة الناعمة، فالقرارات الكبرى ما زالت تُبنى على اعتبارات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، لكن تجاهل التأثير الرقمى للجماهير لم يعد ممكناً في عالم أصبحت فيه المعلومة والصورة والرأي تنتشر في ثوانٍ إلى مختلف أنحاء الأرض.

وهنا يبرز سؤال استراتيجي: إذا كانت الدول تستثمر في جيوشها باعتبارها مصدراً للقوة الخشنة، وتستثمر في الثقافة والتعليم والإعلام باعتبارها أدوات للقوة الناعمة، فهل آن الأوان لأن تستثمر أيضاً في بناء القوة الرقمية الوطنية؟

ليس المقصود صناعة جيوش إلكترونية، ولا توجيه الجماهير، بل بناء مجتمع رقمى وطنى واعٍ، يجيد التفكير النقدى، ويحارب المعلومات المضللة، وينتج محتوى معرفياً مؤثراً، ويشارك في الحوار العالمى بمسؤولية واحترام.

إن الاستثمار الحقيقى في القوة الرقمية يبدأ من المدرسة، والجامعة، والإعلام، ومن تنمية الثقافة الرقمية للمواطن، لأن المجتمع الواعى هو القادر على تحويل حضوره الإلكترونى إلى رصيد وطنى، لا إلى فوضى رقمية.

وربما يأتى يوم يصبح فيه تقييم قوة الدول لا يعتمد فقط على حجم الاقتصاد، أو عدد الجنود، أو مدى انتشار الثقافة، بل يشمل أيضاً قدرتها على بناء مجتمع رقمى مؤثر، قادر على الدفاع عن قضاياه، وصناعة المعرفة، والمشاركة الإيجابية في تشكيل الرأي العام العالمى.

قد يختلف البعض مع هذا الطرح، وقد يرونه مجرد تطور للقوة الناعمة، بينما قد يرى آخرون أنه يستحق أن يُعامل بوصفه بُعداً مستقلاً من أبعاد القوة في العصر الرقمى، وفي الحالتين، فإن النقاش نفسه أصبح ضرورة.

فالتاريخ يعلمنا أن مفاهيم القوة ليست ثابتة، بل تتطور مع تطور الحضارة، وإذا كان القرن العشرون قد رسّخ مفهوم القوة الناعمة، فإن القرن الحادى والعشرين قد يكون قرن القوة الرقمية للجماهير... القوة التي لا تصنعها الحكومات وحدها، بل يصنعها وعى الشعوب أيضاً.

فهل نشهد اليوم ميلاد مفهوم جديد للقوة، أم أننا ما زلنا في بداية طريق سيعيد تعريف موازين التأثير بين الأمم؟

ولا يهدف هذا الطرح إلى إعلان نظرية جديدة، بقدر ما يدعو إلى فتح نقاش حول ما إذا كان التحول الرقمى قد أوجد بُعداً جديداً من أبعاد القوة يستحق الدراسة في أدبيات العلاقات الدولية.