عودة الانكشارية
تعد الإمبراطورية العثمانية صاحبة أكبر فترة زمنية حكمت فيها كدولة خلافة إسلامية، وإن كانت أصغر دول الخلافة الثلاث من حيث المساحة الجغرافية التي سيطرت عليها. حكم العثمانيون 624 عامًا، بدأت منذ عام 1299 وحتى عام 1923. قبل تأسيس الدولة رسميًا كان للعثمانيين جولات حربية عديدة استطاعوا من خلالها تمهيد الأرض لبزوغ وتأسيس الدولة التي صار سلطانها سليمان الملقب بالقانوني يسمى سلطان العالم. سيطرت الدولة العثمانية على ما يزيد على خمسة ملايين كيلومتر مربع من الأراضي في المنطقة العربية وأوروبا. كانت الدولة الأموية، التي حكمت لفترة 91 عامًا فقط، سيطرت على ما يزيد على 15 مليون كيلومتر مربع من الأراضي تبدأ من الصين وحتى الأندلس. أما دولة الخلافة العباسية فقد حكمت لمدة 508 أعوام وسيطرت على ما يزيد على 11 مليون كيلومتر مربع من الأرض. وبحسبة بسيطة نجد أن الخلافة الإسلامية ما بعد الخلفاء الراشدين امتدت لحوالي 1300 عام.
مناسبة هذا الحديث، قمة حلف الأطلنطي التي عقدت مؤخرًا في تركيا. فتركيا عضو في حلف الأطلنطي، لكن الاتحاد الأوروبي يرفض ضمها رغم أن جزءًا من أراضيها يقع داخل أوروبا، بحجة أن كل أعضاء الاتحاد دول مسيحية، ومن غير الطبيعي أن تكون تركيا بينهم. ولما عقدت قمة الأطلنطي الأسبوع الماضي كان من أكثر الموضوعات التي أثارت النقاش بين المراقبين، وجود فرقة عسكرية ترتدي زي قوات الإنكشارية العثمانية بجانب الحرس الرئاسي، في أول ظهور بهذه الصورة منذ أكثر من 200 عام. أثار هذا المشهد تفاعلات سياسية وثقافية واسعة.
انبرى المحللون يفسرون ظهور الفرقة، فاعتبروها رسالة رمزية تعكس الإرث العسكري العثماني وتاريخ تركيا العريق، تزامنت مع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي تؤكد أن تركيا القديمة انتهت، مشيرًا إلى محورية بلاده كقوة دفاعية تقف في طليعة دول الحلف، وأن إظهار التراث العسكري التقليدي بالتوازي مع القدرات التقنية الحديثة لتركيا، يؤكد على الدمج ما بين الماضي والمستقبل.
لكن في نفس الوقت رأى آخرون في ظهور جنود الإنكشارية وجوقة المهتر العسكرية التاريخية في المجمع الرئاسي بأنقرة رسائل رمزية وسياسية بالغة الدلالة لشركاء تركيا في حلف شمال الأطلنطي وللعالم. فهي إعلان لبزوغ مفهوم تركيا وقوتها الذاتية، وتوظيف الرموز العثمانية أمام قادة الناتو تذكير صريح بأن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، وأن دورها لم يعد مجرد حارس للجناح الجنوبي الشرقي كما كان من قبل. ويظهر دمج الإنكشارية مع الحرس الرئاسي الحديث ولادة هوية تركية جديدة "تركيا 3.0"، حيث تتصالح الدولة مع إرثها الإمبراطوري العسكري وتوظفه لاستعراض السيادة والقدرة على حماية أمنها القومي بأظافرها الذاتية.
كما جاء الاستقبال التاريخي بهذا الشكل الرمزي للرد على الاستخفاف الغربي والتصريحات المعادية ومحاولات تهميش التراث العسكري والسياسي التركي من بعض الأطراف الغربية والإقليمية. وكان وقوف الجنود بملابسهم الحربية التاريخية تجسيدًا لتاريخ طويل من الفتوحات العسكرية، ليرسل إشارة واضحة لحلفاء الأطلنطي بأن أنقرة حليف دفاعي ثقيل لا غنى عنه، خاصة في ظل اشتعال الأزمات المعقدة في جوارها الإقليمي.
لم تكتفِ أنقرة بتقديم الرمزية التاريخية العريقة، بل وازنتها برؤية مستقبلية من خلال دمج قدراتها الحديثة في نفس القمة، مثل استعراض دور أقمارها الفضائية العسكرية من الجيل الجديد لخدمة منظومة المراقبة التابعة للأطلنطي. هذا الدمج يعكس فلسفة القيادة التركية، جذور إمبراطورية عريقة، وأدوات تكنولوجية دفاعية معاصرة.
كانت قمة الأطلنطي فرصة لاستعادة تاريخ الإنكشارية، ذلك الجيش الذي كان ابتكارًا عسكريًا فذًا، صار مصدرًا لرعب أوروبا. الإنكشارية تعني بالتركية العثمانية "الجيش الجديد"، كان أقوى فرقة مشاة عسكرية ضاربة في تاريخ الدولة العثمانية، شكلت العمود الفقري لفتوحاتها لقرون طويلة قبل أن تتحول إلى عبء سياسي وعسكري فتم القضاء عليه بالقوة.
امتد وجود الإنكشارية لقرابة 464 عامًا، من عام 1362 وحتى عام 1826. انقسم تاريخهم إلى ثلاث مراحل أساسية: التأسيس عام 1362م، في عهد السلطان مراد الأول باقتراح من قاضي العسكر "قره خليل جاندارلي". كان الهدف إنشاء جيش محترف دائم يدين بالولاء المطلق للسلطان، بدلًا من جيوش القبائل التركمانية غير النظامية. تأسست بنظام الدوشيرمة أو ضريبة الغلمان، كان يتم اختيار عناصرها من أطفال العائلات المسيحية في البلقان والأناضول. ينقلون إلى العاصمة، ويتحولون إلى الإسلام، ثم يربون في ثكنات معزولة تربية عسكرية ودينية صارمة متأثرة بالطريقة الصوفية البكداشية، ويحظر عليهم الزواج أو ممارسة التجارة ليتفرغوا للقتال فقط.
نهاية الإنكشارية كانت في 15 يونيو 1826م، أُبيدت الفرقة تمامًا في عهد السلطان محمود الثاني فيما عرف تاريخيًا بـالواقعة الخيرية. كانوا تمردوا على محاولات تحديث الجيش، فقصف السلطان ثكناتهم بالمدافع وحل تنظيمهم للأبد. كانت الإنكشارية السلاح الفتاك للدولة العثمانية في عصورها الذهبية، تلخص تأثيرهم في كونهم صناع النصر في المعارك الكبرى، كانوا قوة الصدمة التي لا تقهر. لعبوا الدور الحاسم في هزيمة الجيوش الأوروبية في معركة نيقوبوليس 1396م ومعركة فارنا 1444م.
فتح القسطنطينية 1453م تحت قيادة السلطان محمد الفاتح، كانت موجة زحف الإنكشارية الأخيرة هي التي اخترقت أسوار المدينة المستعصية وحسمت المعركة بعد فشل القوات الأخرى. كانوا من أوائل الجيوش في العالم التي اعتمدت على الأسلحة النارية والبنادق بشكل جماعي ومنظم، مما منح العثمانيين تفوقًا ساحقًا في 1514م ضد الصفويين في إيران، ومعركة مرج دابق 1516م ضد المماليك. شكلوا رأس الحربة في وصول الحدود العثمانية إلى أسوار فيينا في قلب أوروبا وعمق المجر.
مع مرور الوقت وترسخ مكانتهم تحولوا من حماة الدولة إلى دولة داخل الدولة، وبعد القرن السادس عشر، دبت الشيخوخة والفساد في التنظيم، فتم التخلي عن الشروط الصارمة، سمح لهم بالزواج، ودخول التجارة، وتوريث رتبهم لأبنائهم، ودخل عناصر ترك مسلمون أصليون إلى الفرقة ففقدوا انضباطهم العسكري. تحولوا إلى قوة سياسية طاغية تعزل وتقتل السلاطين الذين لا يلبون مطالبهم المالية - مثلما قتلوا السلطان الشاب عثمان الثاني عام 1622م والسلطان سليم الثالث. وركزوا على إثارة الشغب في العاصمة واحتكار التجارة، ورفضوا تحديث الأساليب العسكرية، مما تسبب في هزائم عسكرية متتالية للدولة أمام الجيوش الأوروبية الحديثة.
جاءت نهايتهم الدموية عام 1826م، قرر السلطان محمود الثاني القضاء عليهم، فأمر الجيش بضرب ثكناتهم بالمدافع حتى قضى عليهم قضاءً مبرمًا، وانتهت أسطورة الإنكشارية بعد 464 عامًا كانوا خلالها مصدر الفزع الأكبر للشعوب والجيوش الأوروبية.