الناس اللي جوه

بعد 1967 قامت الدنيا ولم تقعد في السينما المصرية.. فتحت السلطة الباب أمام صناع الأفلام، لينتجوا نصوصاً تعبر عن الحال التي وصل إليها البلد بعد النكسة، بالتصريح مرة وبالتلميح مرة، وكان ذلك أمراً جديداً على السينما، بل على الحياة السياسية في مصر، بعد قيام حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952.

كان الناس يئنون من قسوة ما حدث، ويعبرون عن غضبهم وسخطهم على الواقع الكاذب الذي عاشوه، وعلى السلطة التي خدعتهم عن حقيقة الأوضاع في مجالات عديدة، حتى وقعت الواقعة. كثيرون بدأوا يتحدثون حينذاك عن غياب الديمقراطية كسبب مباشر فيما حدث، رسخ لدى الكثيرين أن الاستفراد بصناعة القرار واحتكاره في يد شخص أو مجموعة أو جهة هو السر وراء النكسة، وأن الخروج من دائرتها يفرض على السلطة أن تكون أكثر ديمقراطية وألا تستفرد وحدها بصناعة القرار، مع ضرورة أن تمنح الشعب ومثقفيه وفنانيه ونخبته السياسية حقهم في التعبير الحر عن الرأي.

لم يكن سهلاً على السلطة التي دأبت على الاستفراد بالقرار، وتعودت على أن يكون صوتها الصوت الأوحد، والقرار قرارها بمفردها، أن تفتح الباب في مثل هذا الظرف على آخره، فكرت وقدرت الموقف، ثم قررت أن تفتح الباب في الإنتاج السينمائي. فهذا الباب كان الأقل تكلفة مقارنة بالتكاليف العالية لفتح باب الحرية في الإعلام والثقافة والسياسة والاقتصاد، ومن بعدها منح القوى السياسية حق الطموح إلى السلطة، والاحتكام إلى الديمقراطية في اختيار من يحكم، وتداول السلطة السياسية. كان فتح الباب في السينما أخف الأضرار.

في هذا الإطار ظهرت أفلام مثل: أرض النفاق، وميرامار، وثرثرة فوق النيل، وأبناء الصمت، والقضية 68، وضاع حبي هناك، وغير ذلك، وكان من ضمن هذه الأفلام أيضاً فيلم «الناس اللي جوه»، المأخوذ عن رواية للكاتب الشهير «ألبير قصيري». فكرة الفيلم بسيطة للغاية، وتتناول أوضاع مجموعة من الأشخاص يعيشون في منزل قديم مهدد بالانهيار، خلال فترة الأربعينات، وذلك داخل الرواية، أما داخل الفيلم فقد تحول الزمن إلى الستينات، والعجيب أنك عندما تشاهد الفيلم اليوم تشعر بأنه يعالج فكرة طازجة، وكذلك هي أفكار الكبار حين يكتبون، إذ تجدها قادرة على عبور الزمان والمكان.

لقد ضربت الشروخ المنزل فأصبح آيلاً للسقوط، وبدأ أهله يبحثون عن حل، فذهبوا إلى مالكه، وقالوا له إنه المسؤول الأول عن ترميم المنزل، وإنقاذه قبل أن يتهاوى فوق رؤوسهم. رفض المالك طلبهم، وقال لهم إذا أردتم فرمموه على حسابكم وبأيديكم، اختلف السكان على الأمر أشد الاختلاف، فلا أحد يريد أن يبذل جهداً أو يتحمل تضحية من أجل الإصلاح. كل واحد من أهل المنزل كان غارقاً في مشكلاته وأطماعه الصغيرة، كلٌ يفكر في الخلاص الفردي، ويغرق في الكيفية التي يمكن أن ينال بها لذة اللحظة ومتعتها، ناسياً التهديد الخطير الذي يعيش أسفل منهم، وفي لحظة صراع دامٍ بين هذه المجموعة من الغافلين، انهار المبنى فوق رؤوس الجميع، ودفنهم أسفل منه، ليموت من انقضى أجله، ويحيا من كتب الله له الحياة، ويحاول إقامة المبنى من جديد.

الشروخ تضرب، ثم تنهار المباني على رؤوس «الناس اللي جوه».