كوكب الشعب المصري

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

من معجزات الشعب المصري أنه يستطيع باقتدار تحويل الهزيمة إلى نصر، وكانت له في ذلك سوابق كثيرة، معظمها في التاريخ السياسي، مثل حرب 1956، التي تحولت من هزيمة عسكرية إلى انتصار سياسي، وحرب يونيو التي اقترن اسمها بالنكسة. وليس بالهزيمة، وغيرها كثير من الأحداث السياسية، التي اتسمت بظلم كبير على المصريين، فقاموا هم بإعادة تسميتها وتوظيفها كما يحلو لهم، ولعل هذا ما رأيناه مؤخراً في خروج المنتخب المصري من بطولة كأس العالم، ونظراً للظلم البيَّن الذي تعرّض له منتخبنا، وبدلاً من الحزن والغضب، فقد قرر الشعب كله، بداية من الرئيس عبد الفتاح السيسي وحتى أبسط عامل، أن يحتفي ويفرح بالفريق والجهاز الفني، على اعتبار أن خروجه مظلوماً بشرف هو أعظم انتصار.

في خضم هذه الفرحة، تسابقت القنوات الفضائية ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في استضافة أبطال المنتخب وأسرهم وجيرانهم وأصدقائهم، ولكن في خضم كل هذا كان سطوع نجم اللاعب مصطفى زيكو هو الأبرز، خصوصاً بعد ما تبين من قصته المتفرّدة، ولقد شاهدت لقاءً جميلاً لوالدة مصطفى زيكو على موقع (ديوان المنوفية)، بعدما أصبح هذا اللاعب واحداً من أشهر اللاعبين في العالم، بعد أن سجل هدفاً في شباك فريق الأرجنتين في دور الـ16 في المباراة الشهيرة بين منتخبي مصر والأرجنتين، وكان هدفاً صحيحاً لكن حكم المباراة ألغاه ظلماً، ولم تمضِ سوى دقائق حتى سجّل هدفاً آخر، فيما يشبه المعجزة التي لا يُفسّرها سوى استحقاقه بجدارة، ودعوات والدته التي كانت كل إجاباتها في هذا الحوار تسبقها عبارة (الحمد لله).

عبارة «الحمد لله» التي ظلت تردّدها والدة زيكو هي العبارة السحرية التي تشفي القلوب وتهدئ من روعها وتساعدها على الاحتمال والصبر، ولعل الكثيرين قد شاهدوا دموع مصطفى زيكو وهو يسترجع رحلة كفاحه وصبره هو ووالدته وأسرته، خصوصاً بعد وفاة والده، بكلمات صادقة امتُزجت بالدموع، وفي مصر هناك ملايين الأسر تشبه أسرة مصطفى زيكو، في السعي من أجل توفير الحد الأدنى من العيش، والصبر على الأيام والمحن وهم يحمدون الله على نعمه، طامعين في رضاه.

لكن ما لفت نظري في هذه الأسرة تحديداً هو الوفاء والقيم النبيلة التي تستقر في وجدانها، فهذه الأم انتهزت الفرصة لتذكر شقيقها الذي كان داعماً لها في تربية أربعة أبناء، شابين وفتاتين، وشقيقه الأكبر عبد الرؤوف الذي فتح له المجال وسانده، وكانا معاً رجلين يدركان تماماً المعنى الحقيقي للرجولة وللمسؤولية الأسرية، وهو ما قاله أيضاً مصطفى عن شقيقه، كما ذكرت الوالدة فضل نادي جمهورية شبين، ومدربه كابتن ياسر رضوان، الذي اكتشفه، وتولى رعايته كلاعب منذ صباه، كما ذكرت بالاسم كل من دربه وشجعه هو وشقيقه، قائلة «لا ننسى فضلهم».

حين نرى مثل هذا النموذج الذي لا يزال يحتفظ بقيم وأخلاقيات هذه الأرض وهذا الوطن، ونرى هذه الحميمية والترابط والاعتراف بالفضل، فهذا يجعلنا نطمئن لأن الدنيا ما زالت بخير، وبلادنا وأهلها بخير، وهذه الأرض لا تزال حبلى بالخير والنماء في نبل وطيبة أبنائها.. لقد كان المصريون على حق حين حولوا الهزيمة إلى نصر وفرحة وضجيج ملأ العالم كله، ليعلن أن المصريين في كوكب خاص بهم، لا يعرف أسراره سواهم وسوى محبيهم فقط.