كأس العالم هل هو عمل خيري؟!
كأس العالم يلملم أوراقه الأخيرة، أيام وينتهى الحدث الذى جذب الكرة الأرضية بأقوى مغناطيس كونى، وحققت منه أمريكا أعلى إيرادات فى تاريخ اللعبة، ولا بد أن نقرأ ونحلل هذا الحدث بعين محايدة، لأننى مندهش من صدمة البعض من دور المال فى كأس العالم، وكيف يتحكم فيه، ويسيره، ويحرك آلياته.
فالمونديال مثله مثل أى نشاط فى الدنيا الآن، ليس مؤسسة خيرية، ولا شئوناً اجتماعية، ولا هيئة وعظ وإرشاد دينية، هو نشاط من أهم أركانه المكسب، وملء خزينة الفيفا، وانتعاش الدولة المضيفة اقتصادياً، ومن يتصور غير ذلك واهم، بالطبع هناك منافسات شديدة، وأيضاً هناك محاولات لتقليص وتقليل الانحيازات لأقل مستوى، من خلال القوانين الجديدة التى تجعل إيقاع اللعب أسرع، ومن خلال تقنية الفار، ومن خلال التكنولوجيا الحديثة ومنها السينسور العجيب الذى حشروه فى طبقات كرة القدم الجديدة.. إلخ، لكن ترابيزة الروليت التى تهيمن على المشهد موجودة، دورة اقتصادية بمليارات الدولارات، نظام مراهنات يصنع شبكة عنكبوتية جبارة من المصالح.
فلنقرأ بعض الأرقام لنعرف قوة كأس العالم الاقتصادية، وكواليس المصالح، إجمالى الإيرادات المتوقعة للفيفا فى عام 2026: نحو 8.9 مليار دولار، إيرادات حقوق البث التليفزيونى وحدها: نحو 3.925 مليار دولار، أى ما يقرب من 44% من إجمالى دخل الفيفا، الضيافة وبيع التذاكر: 3.03 مليار دولار، حقوق التسويق والرعاية: 1.79 مليار دولار.
كما تحقق الشبكات الناقلة أرباحاً هائلة من الإعلانات، فعلى سبيل المثال، فى الولايات المتحدة دفعت شبكة Fox نحو 485 مليون دولار مقابل حقوق البث، وتستهدف تحقيق مئات الملايين من الدولارات من الإعلانات أثناء البطولة، حتى إن فترات التوقف لشرب المياه أصبحت ذات قيمة تجارية كبيرة للمعلنين، إنها سوق هيمنة مالية كبيرة، منها الرعاية والإعلانات، فقد أصبحت شركات المراهنات من أبرز رعاة كرة القدم عالمياً، ودخلت بعض هذه الشركات فى شراكات رسمية مع كأس العالم فى مناطق معينة، ما يعكس حجم الأموال المتدفقة من هذا القطاع.
بيع بيانات المباريات للمراهنات، لم يعد الربح يأتى فقط من حقوق البث التليفزيونى، بل أيضاً من بيع البيانات الرسمية اللحظية للمباريات إلى شركات المراهنات المرخصة، وهو سوق يدر مليارات الدولارات، هناك أيضاً توسع أسواق المراهنات، مع كل مباراة فى المونديال يمكن المراهنة على مئات التفاصيل، منها الفائز، وعدد الأهداف، وأول من يسجل، وعدد الإنذارات والطرد، وحتى أول رمية تماس، هذا التوسع يزيد من حجم الأموال المتداولة، لكنه يفتح أيضاً أبواباً جديدة لمحاولات التلاعب فى مسابقات مختلفة، ضغط الإعلانات.
تشير دراسات حديثة إلى أن كثافة إعلانات المراهنات خلال البطولات الكبرى تؤدى إلى زيادة ملحوظة فى معدلات المراهنة، خاصة بين الشباب والرجال.
لكن لكى نكون أمناء مع أنفسنا ولا نخترع شماعات جاهزة لتبرير هزائم فرق، لا بد من التمييز بين النفوذ المالى المشروع وبين التلاعب بنتائج المباريات، فالأول حقيقة واضحة، أما الثانى فلا توجد أدلة ملموسة تثبت أنه يحدث بصورة منهجية فى كأس العالم، ولكى تكون مؤثراً وسط هذا العالم الرأسمالى الذى بلا عواطف، لا بد أن تكون مؤثراً، لديك نجوم عالميون وليسوا محليين فقط، تعتمد على أدوات العلم الحديث فى اللياقة والدعاية، لا بد من تغيير ثقافة لاعبيك لكى يستوعبوا ويندمجوا مع المختلف، هنا تستطيع أن تكون رقماً مهماً فى تلك المعادلة، وتصنع فارقاً، وتفرض شخصيتك بجد.