مبادرات ومغالطات

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

يخطئ من يعتقد أن مصر والمصريين لم يعودوا فى مرمى نيران الحرب. لا أتحدث عن حرب إيران، أو حرب غزة، أو غيرهما من الحروب، فنحن -شئنا أو أبينا- فى مرمى نيرانها، ولو بطرق غير مباشرة، نمت على هامش العصر الرقمى، وربما فى القلب منه، أدوات حرب واستهداف متعدّدة وقادرة على أن تجدّد نفسها وتحدث من سبلها، ناهيك عن تمتّعها بقدرات تمويهية هائلة.

يبدو الموقع وكأنه خبرى محترف، وتبدو الصفحة وكأنها منصة تعبير ونقاش عن قضايا وموضوعات تستحق النقاش، وتبدو المبادرة وكأنها توعوية تعليمية تساعد المتصفّح على التفرقة بين الحق والباطل، وبين الحقيقة والكذب، وتبدو التدوينات والتغريدات والصور والفيديوهات وكأنها عامرة بالمعلومات والحقائق واللقطات المأخوذة من قلب الحدث، ولكن كل ما سبق -بفعل التقنيات الرقمية- قابل للتطويع والتحويل والتحوير.

لم يعد التطويع والتعديل مقتصرين على بدائيات حذف أشخاص أو إضافتهم للصورة، أو التقاط الفيديو من زاوية تجعل الـ15 نفراً يبدون وكأنهم 150 ألفاً، أو غيرها من أساليب التطويع التى تبدو الآن شديدة البدائية، مقارنة بقدرات الذكاء الاصطناعى الجبارة.

لكن كل ما سبق فى كفة، والاحتراف والإبداع والابتكار والمهارة والشطارة والإبهار فى توجيه الرأى العام، وصناعة الوعى، ونشر الثقافة برداء يبدو وكأنها أعلى درجات الموضوعية، وأنقى مراتب الشفافية، وأعمق مقامات الدقة والنزاهة واليقظة، ولكن لأغراض خبيثة تعمل على التلاعب بالمشاعر، والاستثمار فى متاعب الناس والضغوط التى يتعرّضون لها ويعانون منها، وصناعة واقع مغاير لأهداف سياسية واستراتيجية لا تقل أهمية وخطورة عن تلك التى يتم شن حروب وإشعال صراعات من أجلها.

المحتوى الرقمى كله شر؟ لا. لكن حين يختلط الشر والخبث والضلال بالاحتراف والابتكار وادعاء المهنية والموضوعية، يختلط حابل الحرية والإبداع بنابل الخبث والمكائد.

لماذا أكتب هذا الكلام الآن؟ لأنه سارى المفعول منذ خرج ابتكار السوشيال ميديا إلى نور الجماهيرية والانتشار، لكن تطور الاستخدام من جهة، وانكشاف الوجوه الحقيقية للكثير من اللاعبين العابثين بعقول وضمائر ومصائر شعوب بأكملها عبر مواقع ومنصات ومبادرات من جهة أخرى حدث فى مراحل لاحقة، أو فلنقل بدأنا نلتفت إليها بعد خفوت الدهشة والانبهار والإعجاب الأولية، وبدء ما تحمله المنصات الرقمية وتقنيات الرقمنة والذكاء الاصطناعى من فوائد ومميزات، جنباً إلى جنب مع المساوئ والأضرار.

السنوات القليلة التى سبقت والتى تلت أحداث يناير 2011، يمكن تسميتها بسنوات قمة الانبهار بالرقمنة والإنترنت والتطبيقات والمنصات، وكذلك الاكتشافات والانكشافات التى حملتها.

يظن البعض أن استخدام السوشيال ميديا والمواقع (ومنها التى تبدو إخبارية تحليلية تفسيرية رصينة) والصفحات والمبادرات الرقمية وغيرها، من قِبل دول ومؤسسات وهيئات لأغراض سياسية واقتصادية واستراتيجية تهدف إلى إلحاق الضرر بنا، قد انتهى وولى عصره ودبر.

ويزيد هذا الشعور بعدما هدأت الاحتقانات السياسية الإقليمية، وخفتت الخلافات الاستراتيجية الدولية (فى ما يتعلق بنا على الأقل)، ورغم ذلك، يبقى ما فى القلب فى القلب، وما فى النية فى النية، وما يتم تشغيله كعرائس الماريونيت من خلف الستار مستمراً، ولكن بقدر أكبر من الهدوء وكذلك شكل أبرز من ادعاء المهنية والموضوعية.

كل ما سبق لا يعنى أبداً أن يكون الحل هو الحجب والمنع. كما لا يعنى أبداً أن يكون العلاج أمنياً، طالما لم يتم ارتكاب أعمال إجرامية أو إرهابية، حتى لو كان الهدف «الأسمى» للبعض هو العودة إلى الإجرام والإرهاب.

لسنا وحدنا من يواجه مثل هذه الحرب الساكنة الخافتة التى ترتدى بدلة المهنية وكرافتة الموضوعية وجوارب وحذاءً لامعاً يتّخذ لنفسه مسميات عدة مبهرة، وأهدافاً نبيلة مدهشة، مثل: رصد الأخبار الكاذبة وتصحيحها، وتتبع المعلومات المضللة وكشفها. المدهش حقاً أن يكون البعض من هذه المبادرات هو نفسه يعمل من أجل خلط الحق بالباطل.

والأكثر إدهاشاً أن يقدم نفسه باعتباره مشروعاً أو مبادرة أو منصة أو صفحة «مستقلة».

على حد معلوماتى، تطلق صفة «الاستقلالية» على المواقع أو الصفحات أو المبادرات أو المشروعات التى تعمل بمعزل عن التوجيه أو السيطرة التمويلية لجهة ما حكومية أو غير حكومية، وهذا حتماً لا ينطبق على الكثير من هذه «المبادرات».

الثقافة والوعى والمعرفة الرقمية ضرورة، لا رفاهية. وحين نحذر من ترك الأثير مرتعاً لكل من هب ودب، يفتى فى شئون الدين ويعمل على «سلفنة» المجتمع وينشر فكراً رجعياً متطرّفاً مرتدياً عباءة دينية، وفى المقابل لا نلتفت لمن يضيّق الخناق على أصحاب الفكر المتنور القادر على إعادة مصر إلى بهائها ووسطيتها، فهذا جزء من التثقيف الرقمى.

وجزء من التثقيف الرقمى أيضاً يكمن فى طريقة وأسلوب وهدف التعلم، حيث التفكير النقدى الذى يقى الطالب شرور إلغاء العقل، وتسليم مفاتيحه لوسطاء يفعلون به ما يحلو لهم، يؤدى إلى تخريج أجيال قادرة على التفرقة بين الصالح والطالح، فى الواقع، وعلى الأثير الرقمى.