جغرافيا الاختناق (3)
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالطريقة التي عرفها العالم طوال القرن العشرين. لم تعد السيطرة على المدن أو احتلال الأراضي هي الطريق الأقصر لتحقيق النصر، ولم يعد حجم الجيوش وحده هو المعيار الحاسم في قياس القوة. هناك سلاح جديد يفرض نفسه على خرائط الصراع، لا يطلق الرصاص ولا يحتل العواصم، لكنه قادر على إرباك الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل الحسابات السياسية في العواصم الكبرى. إنه سلاح الجغرافيا.
في العقود الماضية كان يُنظر إلى المضائق البحرية باعتبارها مجرد ممرات تعبرها السفن. أما اليوم فقد أصبحت هذه الممرات نفسها أدوات ضغط سياسي، ووسائل ردع اقتصادي، وأوراق تفاوض لا تقل تأثيراً عن الصواريخ والطائرات. ولهذا لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة على الخريطة، بل تحول إلى نموذج لما يسميه عدد من مراكز الدراسات الغربية «حروب نقاط الاختناق»، أي الصراعات التي تستهدف عقد التجارة العالمية قبل أن تستهدف الجيوش.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن إيران، التي تدرك الفارق الهائل بينها وبين الولايات المتحدة في ميزان القوة العسكرية التقليدية، لم تحاول تعويض هذا الفارق ببناء أسطول ينافس الأسطول الأمريكي، وإنما لجأت إلى استثمار ميزة مختلفة تماماً: الموقع الجغرافي. فالطرف الأضعف عسكرياً يستطيع، إذا امتلك موقعاً استراتيجياً، أن يفرض تكلفة مرتفعة على الطرف الأقوى، حتى دون أن يحقق انتصاراً عسكرياً بالمعنى التقليدي. لكن التطور الأهم في هذه الحرب أن المعركة لم تعد تدور حول إغلاق المضيق، بل حول إدارة المرور فيه.
وهنا يكمن التحول الحقيقي.
فعندما ترتفع أقساط التأمين على السفن، وتعيد شركات الملاحة رسم خطوطها، وتزداد تكلفة الشحن، ويبدأ المستثمرون في تسعير المخاطر قبل وقوعها، فإن جزءاً كبيراً من الهدف الاستراتيجي يكون قد تحقق، حتى لو بقي المضيق مفتوحاً. ولهذا وصفت وكالة رويترز ما يحدث بأنه «رسوم عبور غير مباشرة»، فلا أحد يدفع لإيران رسمياً، لكن العالم كله يدفع ثمن التوتر في صورة تكاليف إضافية للتأمين والنقل والطاقة. وهذا يفسر لماذا أصبح مجرد التهديد أحياناً أكثر تأثيراً من التنفيذ.
فالأسواق المالية لا تنتظر غرق ناقلة نفط كي تتحرك، وشركات التأمين لا تنتظر إعلاناً رسمياً بإغلاق المضيق حتى ترفع الأسعار، كما أن المستثمرين يعيدون حساباتهم بمجرد ارتفاع احتمالات الخطر. إن الاقتصاد العالمي أصبح يتفاعل مع احتمال الأزمة قبل وقوع الأزمة نفسها. ومن هنا تبدو الحرب الحالية مختلفة عن كل ما سبقها.
فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى إبقاء الملاحة مفتوحة، وإيران لا تسعى فقط إلى تعطيلها، وإنما يحاول كل طرف فرض قواعده الخاصة على حركة التجارة الدولية. ولذلك فإن الصراع الحقيقي يدور حول من يمتلك حق تنظيم الاختناق، لا حول من يمتلك القدرة على إغلاقه.
ومن اللافت أن مراكز التفكير الغربية لم تعد تتحدث عن هرمز باعتباره حالة منفردة، بل باعتباره حلقة في سلسلة عالمية من «العُقد البحرية». فباب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا، وحتى مضيق تايوان، أصبحت جميعها تُقرأ داخل إطار استراتيجي واحد، لأن تعطيل أي منها ينعكس تلقائياً على بقية الشبكة. ولهذا لم تعد القوى الكبرى تتعامل مع هذه الممرات باعتبارها قضايا إقليمية، بل باعتبارها جزءاً من أمنها القومي والاقتصادي. ولا يقتصر الأمر على النفط وحده.
فالدراسات الحديثة تشير إلى أن تعطيل الممرات البحرية بات يهدد أيضاً تجارة الغاز الطبيعي، والأسمدة، والحبوب، وسلاسل الإمداد الصناعية، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد من المؤسسات الدولية بقضية مرونة سلاسل الإمداد، أكثر من اهتمامها بحجم الخسائر العسكرية المباشرة. لقد أصبح الاقتصاد هو الجبهة الأولى في الحروب، وأصبحت السفن التجارية جزءاً من معادلات الردع.
ومن هنا يمكن فهم القلق الصيني مما يجري في الخليج، رغم أن بكين ليست طرفاً في المواجهة العسكرية. فالصين تعتمد بصورة متزايدة على طرق التجارة البحرية، وتدرك أن أي نجاح في استخدام هرمز كورقة ضغط قد يتحول غداً إلى نموذج يمكن أن يتكرر في مضيق ملقا أو بحر الصين الجنوبي. لذلك تراقب بكين هذه الحرب بوصفها مختبراً استراتيجياً، لا مجرد أزمة إقليمية.
والأمر نفسه ينطبق على أوروبا، التي باتت تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره قضية مرتبطة بأمن النقل البحري، لا فقط بتوافر مصادر النفط والغاز. ولهذا بدأت الحكومات وشركات الطاقة في تسريع البحث عن مسارات بديلة، وخطوط أنابيب إضافية، وموانئ أكثر تنوعاً، لتقليل الاعتماد على ممر واحد يمكن أن يشل الاقتصاد العالمي في أي لحظة.
والدرس الذي تكشفه الحرب يتجاوز إيران والولايات المتحدة معاً. فالطائرات المسيّرة الرخيصة، والزوارق السريعة، والألغام البحرية، لم تعد أدوات تكتيكية محدودة، بل أصبحت قادرة على تهديد منشآت طاقة بمليارات الدولارات، وفرض أعباء هائلة على التجارة الدولية. حتى إن بعض التحليلات الغربية شبّهت تأثير المسيّرات اليوم بما أحدثته الدبابة في الحرب العالمية الأولى، إذ غيّرت قواعد القتال، وفرضت على الجيوش إعادة التفكير في عقائدها العسكرية. لهذا كله، فإن قراءة ما يجري في الخليج باعتباره مجرد أزمة حول مضيق هرمز، هي قراءة ناقصة. فالحرب الحقيقية تدور حول سؤال أكبر بكثير: من يملك القدرة على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي؟
لقد كان القرن العشرون قرن الصراع على مصادر الطاقة، أما الربع الأول من القرن الحادي والعشرين فيبدو أنه يتحول إلى قرن الصراع على مساراتها. لم تعد الجغرافيا مجرد خلفية تدور فوقها المعارك، بل أصبحت هي نفسها أداة القتال، وورقة التفاوض، ومصدر النفوذ.
ومن يفهم جغرافيا الاختناق، يدرك أن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس عدد الصواريخ التي تُطلق، وإنما عدد السفن التي تتردد في الإبحار.