عمارة نخلة المطيعي

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

أعجبتني التجربة القصصية التي تحمل هذا الاسم، أن تجتمع 9 كاتبات في ورشة كتابة لإبداع تلك المجموعة المنفصلة المتصلة، فهي بالتأكيد تجربة مدهشة وبكر وطازجة، عمارة نخلة المطيعي في مصر الجديدة، كل شقة فيها فتات ذكريات، وحيوات تتوهج، وأخرى تنطفئ، والذكاء أن تخلق تشابكاً بين تلك الشقق الباردة كجليد ينتظر الانصهار في جوف المحيط، الخامدة كبركان يفور من الداخل.

اللقطات ذكية، والشخوص من فرط عاديتهم وألفتهم، تصدم بأنك لم تلاحظهم في ماكينة ومفرمة الحياة، هناك البواب أبو راضي الذي تبدأ معه القصة وتنتهي معه بدراما فاجعة، لديه بنت واحدة هي نرجس، في الثانوية العامة، لكنه بالرغم من ذلك يحمل لقب أبو رامي!! عضه الفقر بأنيابه الجارحة، سيعلم ابنته في أفضل جامعة، هذا هو طموحه وطموحها، لكن كيف؟

الفنان المتوحد الذي يعيش مع قطته التي وجد فيها علاجه وملاذه من هذه العزلة المرضية، يترك أمه لمزيد من الاستقلال، تاجر العطارة المتدين، الذي تفرض عليه زوجة ثانية، قريبة أمه، مطلقة، لكنها جاءت بالولد، الذي تولت تربيته أم البنات الأصيلة، هو المراقب من الدور الثالث، المحامية المطلقة التي تزوجت ضد رغبة أبيها المحامي الكبير، استغل زوجها مكتب الأب للصفقات، عاملها بمهانة، وعندما توسط الأب، دفعه، تسبب في قهره فمات.

موظف البنك المتطلع المحبط على الدوام، دائم الشجار مع زوجته، ماذا سيفعل عندما تأتيه فرصة السفر لفرع البنك في الرياض، العانس التي تنتظر على محطة الهجر والخذلان المزمن، الرجل العائش في عالمه الافتراضي، يتوهم عالماً يروي عطشه لامرأة، وفي النهاية يتجسد الوهم، وتحتل المساحة أشباح وأطياف الهلاوس والضلالات، الممثلة المعتزلة التي تعيش على نفايات الذكرى، تعيد وتزيد في الفرجة على أفلامها القديمة، ويصبح أبو راضي هو جمهورها الوحيد، وسلواها المتفردة، مدرس التاريخ الذي أصبحت مهنته فولكلوراً وإكسسواراً زائداً من قبيل الروبابيكيا، ينتظر وجبة هدية من الجارة السورية، التي في انتظار جودو، الذي لا يأتي، زوجها وأبو أولادها، الأرمل الذي رحلت زوجته بعد أن عاشت حياتها تنحت تمثالاً هو نسخة فوتو كوبي من حبيبته الأولى، في محاولة يائسة لتناسب خياله الساكن جسد امرأة أخرى، .. إلخ.

أهدتني المجموعة الكاتبة نانسي إسكندر، وهي صاحبة قصة المحامية، وهي ذات أسلوب متميز، ولقطتها ذكية، وزاوية التناول والتعبير عن التصاعد وعدم هروب خيوط القصة من يديها، كلها نقط مضيئة، كل الكاتبات متميزات، وبرغم اختلافهن فهن متكاملات، الانسجام بينهن موجود، لم تفقد واحدة منهن الإيقاع الذي هو جوهر أي فن.

كل الشكر للصديقة منى رضوان التي أشرفت على تلك الورشة، والتي فجرت طاقات هؤلاء المبدعات الجميلات، والشكر أيضاً لدار «هن» التي تحمست لنشر تلك المغامرة المحلقة خارج السرب، هذه المجموعة هي بذرة سيناريو درامي مبشر، وأتمنى أن تسعى منى لتحويله لسيناريو على إحدى المنصات، فالمجموعة فيها كل عناصر الدراما، شكراً لكل قلم خط سطراً أو وضع زهرة في عقد الياسمين الذي يفوح عطراً اسمه «عمارة نخلة المطيعي».