فين الناس؟
مازحتني صديقتي بشأن ما تسميه «الدائرة الآمنة». كان ذلك حين أخبرتني بأن الدائرة صارت شبه خالية إلا من أشخاص يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة، ثم ضحكت وهي تقول: «أفكر جدياً في الخروج من دائرتي حين لن يبقى فيها سواي»!
لم يضحكني الوصف بل بدا لي مفزعاً، كل تلك الدعوات لـ«السلام النفسي» و«وضع الحدود»، و«العثور على الذات»، واعتزال الإيذاء تحولت تدريجياً إلى عزلة اختيارية فرضها كثيرون على أنفسهم، فينقضي النهار بين مهام لا تنتهي ويأتي المساء مع وحدة قاتلة تحتلها الشاشات، وربما قليل من الناس خلفها في عالم أصبح افتراضياً بالكامل، أتأمل المشهد وأتذكر صرخات الفنانة سهير البابلي في مسرحية «ريا وسكينة» حين وقفت تقول: «فين الناس؟ راحوا الناس.. هربوا الناس».
أين الناس حقاً؟ لم يعد ثمة صبر أو طاقة لجهد في ترتيب لمقابلة، أو حل لمشكلة، لا شرح أو عتاب أو تبرير، لا مساحات مشتركة لجيران يعرفون بعضهم، لا جلسات سمر، لا زيارات بلا موعد، لا سهرات عائلية تذكر، أصبح كل شيء فردياً بشكل مرعب، العمل، التسوق، الترفيه، طلب الطعام، حتى المناسبات صارت مختصرة بشكل واضح.
حسناً، يقول ابن قيم الجوزية: «ينبغي للعاقل تقليل الألفة» وأتساءل: هل كانت تلك دعوة إلى الانقطاع عن البشر كما يجري الآن؟ أعتقد أن الإجابة لا، كان الرجل يقصد عدم التماهي مع الآخرين، وألا يصير حضورهم مبرراً لخسارة النفس والمبادئ، لم يكن الأمر يتعلق بالونس المفقود، كان يتعلق بالقيم، وبـ«جودة العلاقات»، لا كثرتها!
ربما هذا ما دعمته دراسة أجريت في جامعة هارفارد حول تطور البالغين وامتدت من العام 1938 حيث خلصت إلى أن أحد أهم العوامل المرتبطة بطول العمر وجودته، ليس الثروة، أو الشهرة، ولكن جودة العلاقات هي في الواقع أقوى متنبئ بالحياة الصحية والسعيدة.
أقرأ الدراسة وأتذكر صديقتي التي قررت أن تعلن عبر صفحتها الرسمية عن خبر وفاة خالتها، صديقتي نفسها لم ترغب في الكتابة عن وفاة عمها قبل عدة أشهر، معتقدة أنها بذلك لا تصدر صورة سوداوية وأن الاستخدام الاحترافي لمواقع التواصل يجب ألا يتضمن أموراً شخصية أو خاصة، هذا صحيح، لكن لكل قاعدة استثناء، وهو ما رصدته بنفسها حين أخبرتني: «حين لم أكتب كان الحزن ثقيلاً ومزعجاً جداً، لكنني حين كتبت وتلقيت التعازي والدعوات الطيبة لي وله شعرت بأنني بطريقة ما أفضل، وقد استعدت صداقات قديمة وفوجئت باهتمام لم يخطر لي ببال ممن أحبهم».
ربما في تلك اللحظة بالذات أدركت المعنى السحري لما كان الدكتور يحيى الرخاوي يؤكده باستمرار، حديثه عن ذلك الجوع البيولوجي لدى البشر لأن يكونوا مرئيين، حزنهم، وفرحهم، ووحدتهم، ومآسيهم، وحتى لحظاتهم السعيدة، الحاجة لما أسماه الطبيب النفسي الفذ «الشوفان» تلك اللحظة التي تكف فيها عن التصنع، مع أناس لا تخشى من نظرتهم لك، لا تخشى أن تظهر بعيوبك، بغضبك وما قد تحمله داخلك من سخط وضيق وشعور بالقهر أو الضياع أو الوحدة.
لكن وجهة النظر الرائعة تلك والتي صاغها في كتابه المميز: «من فيض نبض الطب النفسي.. أنت معنى الكون كله» تبدو لي كضلع في مثلث، ضلعه الثاني جملة ابن قيم الجوزية، أما الضلع الثالث فهو في تلك الجملة المعجزة لشمس التبريزي: «ليست كل عين.. ترى»، تلك هي الفكرة إذن، نحن بحاجة للبشر، لكن ليس أي بشر، ليس هؤلاء الذين نخسر أنفسنا بصحبتهم، ونضيع على إثر سوء تقديرهم.. ليست العبرة هنا بكثرة المحيطين، ولكن بجودتهم، ربما دائرة صديقتي بخير ما دامت تحتوي على عدد وإن كان قليلاً، لكن دائرتها بحاجة لجهد ومحاولات، فتلك القلة الباقية بكل تأكيد.. تستحق.