هل يرحل نتنياهو؟

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

ينظر الإسرائيليون إلى بنيامين نتنياهو باعتباره الملك بيبي أو «بيبي الأبدي» بيبي اسم «الدلع» لهذا السفاح الذي ارتكب جريمة الإبادة في غزة، والأبدي لأنه صاحب أطول مدة قضاها أحدهم رئيسا للحكومة الصهيونية متجاوزا في ذلك بن جوريون مؤسس الكيان وأول رئيس وزارة في عام النكبة 1948.

بالأمس قرر الكنسيت إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر القادم، في مشهد سياسي اعتاد على التحولات الدرامية. الانتخابات لا تحمل في طياتها مجرد تجديد للسلطة البرلمانية، بل استفتاء شعبي شامل على مسيرة سياسية امتدت لأكثر من عقدين من الزمن ، وعلى شخص واحد أصبح رمزا للسياسة الإسرائيلية في القرن الحادي والعشرين، بنيامين نتنياهو.

ولد نتنياهو في تل أبيب عام 1949 وهو أول رئيس للحكومة يولد في فاسطين المحتلة . يعد نتنياهو ظاهرة تاريخية . فهو الأطول خدمة في هذا المنصب ، تجاوزت سنوات حكمه مجتمعة أكثر من سبعة عشر عاما ، موزعة بين ولايته الأولى من عام 1996 إلى 1999، ثم عودته من عام 2009 حتى عام 2021 ، وأخيرا ولايته الحالية التي بدأت في ديسمبر 2022 ، متجاوزا في طول مدة الحكم بن جوريون مؤسس الدولة وأول رؤسائها مما يمنحه مكانة استثنائية في التاريخ السياسي الإسرائيلي.

يحمل نتنياهو في جعبته سيرة عسكرية ، خدم في وحدة الاستطلاع النخبوية سايرت متكال ، وشارك في عمليات نوعية منها الهجوم على مطار بيروت عام 1968 وحرب أكتوبر عام 1973، قبل أن ينتقل إلى المجال الأكاديمي . حصل على بكالوريوس في الهندسة المعمارية وماجستير في إدارة الأعمال من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا . لكن مساره السياسي الحقيقي بدأ عندما عين مندوبا لإسرائيل في الأمم المتحدة في منتصف الثمانينيات ، ثم عضوا في الكنيست عن حزب الليكود ، ليتدرج في المناصب حتى يصل إلى قمة الهرم السياسي .

لا يتوقف طموح نتنياهو عند حدود الماضي ، اليوم يخوض معركته السياسية الأصعب ، إذ يواجه اتهامات بالفشل في منع هجوم السابع من أكتوبر عام 2023 الذي وصفته المعارضة الإسرائيلية بأنه أكبر فشل استخباراتي منذ خمسين عاما . ورغم ذلك ، يصر نتنياهو على البقاء ، معلنا عزمه تشكيل حكومة موسعة لا يمينية ولا يسارية ، في محاولة لاستقطاب شرائح أوسع من الناخبين وتجاوز الانتقادات الموجهة له .

يبرز في المشهد الانتخابي مجموعة من المنافسين الذين يمثلون تيارات سياسية متعددة ، يجمعهم جميعاً هدف واحد ، الإطاحة بنتنياهو وفتح صفحة جديدة في السياسة الإسرائيلية . على رأس هؤلاء يقف الجنرال جادي آيزنكوت ، رئيس الأركان الأسبق ، الذي شكل حزبه يشار أو مستقيم عام 2025 ، وتظهر استطلاعات الرأي تقدم آيزنكوت للمرة الأولى على نتنياهو باعتباره الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة، ما يعكس تحولا في المزاج العام نحو القادة العسكريين في زمن الحروب .

لا يقل نفتالي بينيت رئيس الوزراء الأسبق خطرا على نتنياهو ، فهو يجمع بين الخلفية العسكرية في وحدة سايرت متكال ، وريادة الأعمال في قطاع التكنولوجيا والانتماء إلى تيار الصهيونية الدينية والمشروع الاستيطاني . أثبت بينيت الذي ترأس سابقا مجلس المستوطنات قدرته على تشكيل ائتلاف حكومي عام 2021 أنهى 12 عاما من حكم نتنياهو المتواصل ، ورغم انهيار حكومته بعد عام واحد ، إلا أنه يظل خيارا جذابا لليمين الإسرائيلي الباحث عن بديل أقل استقطابا وأكثر براجماتية .

هناك يائير لبيد الصحفي السابق الذي تحول إلى سياسي ، ويمثل التيار الوسطي الليبرالي ، أسس حزب يش عتيد عام 2012 وسرعان ما أصبح أبرز الأصوات المناهضة لنتنياهو . تولى لبيد منصب رئيس الوزراء لفترة وجيزة في عام 2022 ضمن اتفاق التناوب مع بينيت ، ويواصل اليوم معارضته الشرسة لسياسات نتنياهو .

ويبرز أفيجدور ليبرمان ، زعيم حزب إسرائيل بيتنا ، القومي العلماني ، الذي بدأ مسيرته السياسية مقربا من نتنياهو قبل أن يتحول إلى أحد أشد منتقديه . يمثل ليبرمان تيارا علمانيا متشددا يعارض الامتيازات الممنوحة لليهود المتدينين ، ويدعو إلى تجنيدهم في الجيش ، مما يجعله خصما قويا لنتنياهو وحلفائه من الأحزاب الحريدية .

الانتخابات تثير قضية مهمة لا تتعلق فقط ببقاء نتنياهو أو رحيله ، بل بمصير المشروع الصهيوني نفسه وتوجهاته الاستراتيجية . نتنياهو الذي ينتمي إلى مدرسة الصقور في السياسة الإسرائيلية يتبنى رؤية توسعية ترتبط بمشروع إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات ، وهو شعار رفعته أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل ، ويعكس تمسكا بالسيطرة على أراضي الضفة الغربية ورفضا قاطعا لإقامة دولة فلسطينية . لكن هذه الرؤية ليست حكرا على نتنياهو فحسب ، معظم منافسيه من اليمين والوسط ، بما في ذلك آيزنكوت وبينيت وليبرمان ، يتبنون مواقف متشددة في الملفات الأمنية ولا يختلفون كثيرا في جوهر السياسات تجاه الفلسطينيين ، الاختلاف يكمن فقط في الأسلوب والنهج ودرجة الاستقطاب.

تحمل الانتخابات على مستوى إقليم الشرق الأوسط تداعيات كبيرة ، خاصة في ظل الحرب على إيران ، حيث تتزايد التكهنات حول احتمال شن إسرائيل هجوما على المنشآت النووية الإيرانية ، وهو سيناريو يبدو أكثر احتمالا في حال بقاء نتنياهو الذي يعد الملف الإيراني أحد أولوياته القصوى . أما إذا فاز آيزنكوت أو بينيت ، فقد تشهد السياسة الإسرائيلية تجاه إيران تكتيكات مختلفة.

فيما يتعلق بالعالم العربي ، فإن نتيجة الانتخابات قد تؤثر على مسار التطبيع مع الدول العربية ، حيث كان نتنياهو المحرك الأساسي لاتفاقات أبراهام ، لكن استمراره في الحكم مع حلفاء اليمين المتطرف قد يعقد العلاقات مع بعض الدول العربية التي ترفض سياساته تجاه الفلسطينيين .

في قطاع غزة، لا يبدو أن الانتخابات ستحدث تحولا كبيرا في السياسات الإسرائيلية ، فالجميع في إسرائيل يتبنون موقفا متشددا تجاه القطاع ، وقد يستمر االعدوان أو يتصاعد في ظل أي حكومة، سواء كانت بقيادة نتنياهو أو غيره. الفارق الوحيد سيكون في شدة التصعيد وحجم العمليات البرية .

إذا خسر نتنياهو الانتخابات فإن مصيره قد يكون قاسيا ، فهو لن يواجه اتهامات بالفشل السياسي والأمني فحسب، بل يواجه أيضا ملفات فساد وقضايا قانونية قد تستأنف في حال فقدانه الحصانة السياسية. وقد تؤدي خسارته إلى نهاية حقبة سياسية طويلة ، وإعادة ترتيب المشهد الحزبي الإسرائيلي، وفتح الباب أمام جيل جديد. لكن سيناريو بقاء نتنياهو ، يعني استمرار السياسات التوسعية والتصعيدية ، مع إمكانية تعزيز تحالفه مع الأحزار الدينية والقومية المتطرفة، مما يدفع إسرائيل إلى مزيد من الانعزالية الدولية والصراع الداخلي.

تظل انتخابات الكنيست لعام 2026 محطة فارقة في تاريخ إسرائيل ، فهي ليست مجرد صراع على مقاعد برلمانية ، بل معركة وجودية حول هوية الدولة ومستقبلها ، وما إذا كانت إسرائيل ستواصل السير على خطى بيبي نحو مشروع إسرائيل الكبرى ، أم أنها ستبحث عن مسار جديد قد لا يختلف كثيرا في الجوهر لكنه قد يختلف في الأسلوب وطريقة التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية . في كل الأحوال تبقى القضية الفلسطينية رهينة الصراع الداخلي الإسرائيلي ، دون أن يبدو في الأفق أي تغيير جوهري في السياسات الإسرائيلية تجاهها ، مهما اختلفت الوجوه والأسماء .