جوليوس نيريري.. مصر تصنع ما عجزت عنه الشعارات
أكتب إليكم من دار السلام.. المدينة التي اختار لها التاريخ اسماً يختصر ملامحها، دار السلام.. هنا، على ضفاف المحيط الهندي، تمتزج زرقة المياه بخضرة الأشجار الاستوائية، وتتناغم حركة الميناء مع إيقاع مدينة لا تهدأ، بينما تتجاور ناطحات الأعمال الحديثة مع الأسواق الشعبية التي لا تزال تحتفظ بروح أفريقيا الأصيلة، في الشوارع تسمع السواحيلية إلى جوار الإنجليزية، وترى شعباً بسيطاً يحمل طموحاً كبيراً، يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالعمل لا بالأمنيات.
في هذه المدينة، التي أصبحت القلب الاقتصادي لتنزانيا وبوابتها إلى العالم، لا يدور الحديث هذه الأيام عن حدث عابر أو احتفال بروتوكولي، بل عن لحظة ينتظرها ملايين التنزانيين باعتبارها بداية مرحلة جديدة في تاريخ بلادهم، الجميع يتحدث عن مشروع سيغير خريطة الطاقة والتنمية، وعن سد أصبح رمزاً لحلم ظل يراود تنزانيا لعقود طويلة قبل أن يتحول إلى حقيقة.
وأنت تتنقل بين الناس، تدرك سريعاً أن اسم مصر حاضر في هذه الحكاية بقوة.. ليس باعتبارها دولة جاءت لتنفذ عقداً ثم تغادر، وإنما شريكاً حمل معه خبراته وكفاءاته، وترك بصمة ستظل باقية لعشرات السنين.. هنا، لا يتحدث الناس عن شعارات أو خطابات سياسية، بل عن توربينات تدور، وكهرباء ستصل إلى ملايين المنازل، وفرص تنمية ستغير حياة أجيال كاملة.
ولذلك، فإن الحديث عن سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية لا يمكن اختزاله في أرقام عن الخرسانة أو القدرة الإنتاجية أو ارتفاع السد، فالمشروع تجاوز منذ سنوات كونه مجرد منشأة هندسية، ليصبح عنواناً لقصة أكبر.. قصة تعاون أفريقي حقيقي، ورسالة سياسية تقول إن النفوذ لا يُصنع بالخطابات وحدها، وإنما بما تتركه الدول من أثر في حياة الشعوب.
ليست كل المشروعات العملاقة مجرَّد أرقام أو منشآت هندسية، فبعضها يتحول إلى رسالة سياسية وحضارية تعكس مكانة الدول وقدرتها على التأثير خارج حدودها، وهذا بالضبط ما يجسده مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا، الذي أصبح أحد أبرز الشواهد على عودة مصر بقوة إلى قلب القارة الأفريقية، ليس بالشعارات، وإنما بالعمل والإنجاز والتنمية.
ولعل ما كشفته المكالمة الهاتفية الأخيرة بين الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيسة التنزانية، وما تضمنته من إشادة واضحة بالدور المصري، وتطلُّع تنزانيا إلى استقبال الرئيس لافتتاح المشروع، وموافقة الرئيس على الحضور إلى تنزانيا والمشاركة في حفل الافتتاح يؤكد أن السد لم يعد مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل أصبح رمزاً للعلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ونموذجاً ناجحاً للتعاون الأفريقي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
لقد أثبتت مصر، خلال السنوات الماضية، أن قوتها الناعمة لا تقتصر على الثقافة والفنون والتعليم والدبلوماسية، وإنما تمتد أيضاً إلى تصدير الخبرة الهندسية والقدرات الفنية والتنموية.
فحين تنجح الشركات المصرية في تنفيذ أحد أكبر مشروعات الطاقة في أفريقيا، فإنها تقدم للعالم صورة مختلفة عن الدولة المصرية، دولة تمتلك الكفاءات والخبرات القادرة على تنفيذ أكثر المشروعات تعقيداً وفق أعلى المعايير العالمية.
إن التحالف المصري الذي يضم شركتين من كبرى الشركات لم يذهب إلى تنزانيا باعتباره مقاولاً ينفذ مشروعاً وينصرف، وإنما ذهب حاملاً اسم مصر وتاريخها وخبراتها، واستطاع أن يحول حلماً تنزانياً امتد لعقود طويلة إلى واقع يقترب من الاكتمال، ولذلك لم يكن غريباً أن يحظى المشروع بإشادة القيادة التنزانية، وأن يصبح محل فخر للمصريين جميعاً.
وعندما نتحدث عن هذا المشروع، فإننا لا نتحدث عن سد عادي، بل عن إنجاز هندسي عملاق يضم سداً رئيسياً بطول يزيد على ألف متر، وارتفاع يتجاوز 130 متراً، وبحيرة تخزين ضخمة، ومحطة كهرومائية بقدرة 2115 ميجاوات، لتصبح الأكبر في تنزانيا، إضافة إلى شبكة متكاملة من الأنفاق والجسور والسدود الفرعية ومحطات الربط الكهربائي والطرق الدائمة، بما يسهم في مضاعفة إنتاج الكهرباء ودفع عجلة التنمية الاقتصادية في الدولة الشقيقة.
والأهم من ذلك أن الشركات المصرية لم تكتفِ بتنفيذ الأعمال التقليدية، بل حققت إنجازات هندسية غير مسبوقة، منها تنفيذ أكبر كميات من الخرسانة وتشغيل أول التوربينات بنجاح، وتصنيع أجزاء معقدة داخل موقع المشروع بأيادٍ مصرية، وهو ما يعكس المستوى المتقدم الذي وصلت إليه الخبرات الوطنية في مجالات التشييد والطاقة والبنية الأساسية.
ولا يمكن إغفال أن المشروع يحمل بُعداً إنسانياً بالغ الأهمية، إذ سيسهم في الحد من الفيضانات التي عانت منها تنزانيا لسنوات طويلة، ويوفر الطاقة اللازمة لملايين المواطنين، ويدعم التنمية الصناعية والزراعية، ويحد من الآثار البيئية والصحية الناجمة عن المستنقعات الموسمية. وهذه هي الصورة الحقيقية للتعاون الذي تحتاجه أفريقيا؛ تعاون يصنع التنمية ويغير حياة الشعوب.
لقد أدركت القيادة السياسية المصرية مبكراً أن استعادة الدور المصري في أفريقيا لا تتحقق فقط عبر المؤتمرات والزيارات الرسمية، وإنما من خلال مشروعات تنموية تترك أثراً دائماً في حياة الأشقاء الأفارقة، ومن هنا جاء الاهتمام الكبير الذي أولاه الرئيس عبدالفتاح السيسي لهذا المشروع منذ توقيع عقده عام 2018 وحتى افتتاحه، ليصبح أحد أهم نماذج التعاون المصري الأفريقي في العصر الحديث.
كما أن النجاح اللافت الذي حققه المشروع، وما حازه من جوائز دولية، يبعث برسالة مهمة إلى الأسواق الأفريقية والعالمية مفادها أن الشركات المصرية أصبحت تمتلك القدرة على المنافسة في أكبر المشروعات الدولية، وأنها شريك يُعتمد عليه في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والتنمية المستدامة.
إن سد جوليوس نيريري ليس مجرد إنجاز تنزاني، بل هو أيضاً قصة نجاح مصرية بكل المقاييس، وانتصار للإرادة والعلم والكفاءة الوطنية، وهو يؤكد أن القوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بما تستطيع أن تقدمه للآخرين من خبرة وتنمية وأمل.
في النهاية، فإن سد ومحطة جوليوس نيريري ليسا مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، ولا مجرد إنجاز هندسي يُضاف إلى سجل المشروعات العملاقة، بل شهادة حية على أن الإرادة السياسية حين تقترن بالكفاءة والخبرة تستطيع أن تصنع فارقاً حقيقياً في حياة الشعوب. لقد أثبتت مصر أن دورها في أفريقيا لم يعد يُقاس بالكلمات، وإنما بما تقدمه من مشروعات تترك أثراً دائماً، وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية والشراكة.
ويُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسي أنه تبنى منذ سنوات رؤية واضحة لإعادة بناء جسور الثقة مع القارة الأفريقية، ليس عبر الخطابات وحدها، بل من خلال الحضور الفاعل والمشروعات الكبرى التي جعلت اسم مصر حاضراً في ميادين التنمية قبل أي شيء آخر. وجاء مشروع جوليوس نيريري ليجسد هذه الرؤية على أرض الواقع، وليؤكد أن القيادة التي تؤمن بقدرات شعبها تستطيع أن تنقل خبراته إلى خارج الحدود، وأن تجعل من الدولة المصرية شريكاً موثوقاً يحظى بالتقدير والاحترام.
واليوم، ومع اقتراب افتتاح هذا المشروع العملاق، لا تحتفل تنزانيا وحدها بإنجاز تاريخي، بل تحتفل مصر أيضاً بثمرة سنوات من العمل والإخلاص، وبنجاح نموذج جديد للدبلوماسية المصرية عنوانه التنمية ورسالته البناء. إنها صفحة جديدة تُكتب في سجل العلاقات المصرية الأفريقية، ورسالة تؤكد أن اليد المصرية التي شيدت الحضارة قبل آلاف السنين لا تزال قادرة على أن تبني المستقبل، وأن تترك بصمتها حيثما وجدت الإرادة والطموح، بقيادة سياسية جعلت من التنمية قوة، ومن الإنجاز لغةً تخاطب بها العالم.