بيغني ظلموه

عقدة «المظلومية» من العقد التي تسيطر على تفكير البعض، فتجدهم يحدثونك عن «الاضطهاد» الذي تعرضوا له، و«الغُبن» الذي عانوا منه، و«استلاب الحقوق» الذي جربوه، وهكذا. البعض يفضل أن يعيش هذه الأحاسيس على أن يفكر في التفتيش عن أسباب موضوعية لمشكلاته أو ما يعانيه ويقاسيه من فشل. نحن لا ننفي بحال وجود الظلم في الحياة، أو وجود مظلومين، فمعادلة الظالم والمظلوم قائمة في كل زمان ومكان، لكن يبقى أن جزءاً من المسؤولية يقع على المظلوم نفسه، فخالق الكون عادل، وقد حرم الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده، وبالتالي فالدفاع عن العدل في الحياة هو دفاع عن قيمة أراد الله ترسيخها في دنياه، لأن الظلم يؤدي إلى تدمير الحياة، فعواقبه السيئة تضرب الظالم والمظلوم. قال تعالى: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ». فالفتنة تحيق بالظالم والمظلوم.

هناك مثل مصري يتردد في وصف الشخص الذي يعاني من عقدة اضطهاد أو يرفع شعار المظلومية تلخصه عبارة «بيغني ظلموه». فالبعض يأتي كل الأسباب التي يصح أن تقوده إلى الفشل، وعندما يخفق يبدأ في غناء موال «ظلموه»، وهو الموال الذي خلدته سيدة الغناء العربي في أغنية «ظلموني الناس». على سبيل المثال الطالب الذي يرسب في امتحان، يصرخ في وجه من حوله بعد ظهور النتيجة قائلاً: الامتحان كان صعباً، والمراقبون أرهقوا أعصابي، والتصحيح لم يكن لصالح الطالب، وهناك أسئلة تناولت أجزاء ملغاة من المقرر وهكذا، إنها: «تقاسيم موال ظلموه» التي يحاول أن يأوي تحت مظلتها هرباً من السبب الحقيقي الذي يتمثل في عدم المذاكرة. انتقل إلى مثال آخر لرب أسرة وجد نفسه مهدداً بالسجن بسبب بعض القروض والمشتريات التي لم يسدد ثمنها، إنه يصرخ بتقاسيم «موال ظلموه» قائلاً: كل شيء ارتفع سعره، والأولاد محتاجون أشياء كثيرة، يعني أحرمهم؟ أليسوا مثل غيرهم؟ ثم إني كنت أخطط لمشروع كبير حلمت بأن يجعل «عيشتهم نغنغة»، يصرخ بكل هذا ليغلوش على الأسباب الحقيقية التي قد تتمثل في شراء ما يلزم وما لا يلزم، وتحكم غريزة «الفشخرة الكدابة» فيه، واستجابته لمتطلبات الثقافة الاستهلاكية التي تحكم أسرته، وعدم التفاته إلى الحكمة القرآنية التي تنهى عن الإسراف والتبذير والاعتدال في الإنفاق وغير ذلك.

الله تعالى لا يظلم أحداً «وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً»، الإنسان هو الذي يظلم نفسه بأفعاله: «وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»، ويظلم الإنسان نفسه حين يسكت على الظلم، ظناً منه أن ناره لن تحرقه، وأنه ما دام بعيداً عنه فلا حاجة لأن ينكره أو يواجهه. على الإنسان أن يجتهد في الأخذ بالأسباب التي تحمي كرامته وإنسانيته، بنفس القدر الذي يدافع فيه عن كرامة وإنسانية غيره.

العقل المصري العام الذي يميل إلى وصف نفسه بـ«التدين» عليه أن يتحرر من ثقافة «ظلموني الناس» التي تتناقض مع القيم والأخلاقيات التي رسخها القرآن الكريم في النفس المؤمنة.