من تضحيات العلماء
حتى العلم له ضحايا وشهداء وانتحاريون، من أجل إثبات فكرة أو عمل تجربة أو توضيح معلومة، العلم أيضاً له شبق وشهوة وأحياناً جنون، عندما لم يجد العلماء معامل جاهزة صنعوا من أجسادهم معامل، إليكم بعض تلك القصص، لم يكن طريق العلم دائماً مفروشاً بالأجهزة الحديثة ولجان أخلاقيات البحث، فقد اختار بعض العلماء أن يجعلوا أجسادهم أول ميدان لاختبار أفكارهم.
بعض هذه المغامرات أنقذ ملايين البشر، وبعضها انتهى بموت صاحبها أو كاد يقتله، من أشهر هؤلاء الطبيب البيروفي دانيال ألسيديس كاريون، الذي كان يدرس مرضاً غامضاً يصيب سكان جبال الأنديز. وفي عام 1885 أخذ مادة من أحد المرضى وحقنها في جسده، ليثبت أن حمى أورويا والآفات الجلدية المعروفة بثآليل بيرو مرحلتان لمرض واحد. وبعد أسابيع أصيب بحمى شديدة وأنيميا مدمرة، وظل يسجل أعراضه حتى عجز عن الكتابة، ثم توفي في الثامنة والعشرين من عمره.
وحمل المرض لاحقاً اسمه: «مرض كاريون»، أما الطبيب الأمريكي جيسي لازير فكان يدرس الحمى الصفراء في كوبا وتعرض عمداً، وفق الرواية الأشهر، للدغة بعوضة حاملة للعدوى، فأصيب بالمرض وتوفي عام 1900، وأسهمت هذه الأبحاث في إثبات دور البعوض في نقل الحمى الصفراء، وفتحت الباب أمام السيطرة على وباء قتل الآلاف، وفي عام 1929 أقدم الطبيب الألماني ورنر فورسمان على تجربة بدت جنونية؛ أدخل قسطرة طويلة في وريد ذراعه ودفعها حتى وصلت إلى قلبه، ثم سار إلى غرفة الأشعة لتصويرها.
خاطر بحدوث نزيف أو اضطراب قاتل في ضربات القلب، لكنه نجا، وأصبحت تجربته أساساً لتطور قسطرة القلب، وحصل لاحقاً على جائزة نوبل، كذلك شرب الطبيب الأسترالي باري مارشال مزرعة تحتوي على بكتيريا «هيليكوباكتر بيلوري» ليثبت علاقتها بالتهاب المعدة والقرحة.
أصيب بالقيء والتهاب حاد في المعدة، ثم عالج نفسه بالمضادات الحيوية، غيّرت تجربته الاعتقاد السائد بأن القرحة سببها التوتر فقط، ونال بسبب اكتشافه جائزة نوبل، ومن التجارب الجسدية العنيفة أيضاً تجارب الطبيب والضابط الأمريكي جون بول ستاب، الذي ركب زلاجات صاروخية وانطلق بسرعات هائلة ثم توقف فجأة لدراسة تأثير التسارع.
تعرض لكسور ونزيف في العين، لكنه نجا وأسهم في تطوير أحزمة الأمان، تكشف هذه القصص شجاعة استثنائية، لكنها تذكرنا أيضاً بأن الحماس العلمي لا يبرر المخاطرة غير المحسوبة. لذلك تخضع التجارب الحديثة للرقابة الأخلاقية، حمايةً للباحث والمريض معاً.