اقتصاد القلق.. الذي نسجناه لأنفسنا بعناية

لو ألقيت نظرة عابرة على تفاصيل الحياة اليومية في الشارع، فستلاحظ على الفور أن أكثر ما ينهك أرواح الناس ليس فقط مشقة السعي لكسب العيش، أو الركض المجهد في ملاحقة متطلبات الحياة الأساسية، بل تلك «الحاسبة الداخلية» التي لا تتوقف عجلتها عن الدوران في أذهانهم ليل نهار.

حالة من الترقب المشدود، وحسابات الخطوات القادمة المنهكة، والبحث المستمر عن مظلة يختبئ المرء تحتها من رمضاء تقلبات الأيام.

تعكس الحقيقة الصريحة التي نتحاشى مواجهتها؛ وهي أن الجزء الأكبر من هذا الإرهاق لم يعد نابعاً من شواغل الحياة نفسها، بل من الطريقة التي بات يُدار بها العقل الاستهلاكي، حين غاب الوعي الرشيد بحدود الكفاية، وحل محله انسياب عاطفي يجرف الفرد نحو أنماط شرائية تربك تفاصيل يومه، وتقتطع من سكينة بيته وراحة بال أهله.

تراجعت فكرة «الاحتياج الحقيقي» في ثقافة الشارع لحساب حالة صريحة من السلوك الاندفاعي والتأثر الجمعي، فنحن نرى مظاهر شتى لهذا الغياب في الوعي المالي.

نراه في الذعر الشرائي وتكنيز السلع بلا داعٍ كلما سرت شائعة في الأسواق، ونراه في التهافت على اقتناء كماليات وأجهزة إلكترونية بالتقسيط لمجرد التباهي وملاحقة الموضة المتغيرة، ونراه في تبديد المبالغ الطائلة على مظاهر استهلاكية استعراضية في المناسبات الاجتماعية لا تعبر بحال عن الإمكانات الفعلية لأصحابها.

نراه في تحول الشراء من وسيلة سريعة لقضاء حاجة بأسلوب منطقي إلى سلوك دفاعي نابع من الخوف، ونراه في الشراء لمجرد أن الجميع يشتري، أو انقياداً لنغمة تسويقية زاعقة تهمس في أذن الجميع طوال الوقت بأنه: «من لا يقتنِ الآن هذه السلعة؛ فستفوته الفرصة إلى الأبد».

في هذا السياق الشامل لغيبوبة الوعي الاستهلاكي، يقف التعامل مع السوق العقاري كشاهد بارز على الأزمة. حين تحول البحث عن «السكن» -من رغبة واعية للحفاظ على المدخرات إلى نوع من الهرب نحو الضياع- إلى سباق محموم يتسابق فيه الجميع لدخول معمعة من الأقساط الممتدة لسنوات طوال، يضغط الإنسان خلالها على اولوياته الحياتية الأهم، من تعليم راقٍ وصحة ورعاية لنفسه وأسرته، ليتنازل عن رفاهية حاضرِهِ من أجل الالتزام بسداد أرقام طائلة تلتهم غالب دخله، فقط ليلتحق بـ«نمط معيشي» رسمته الإعلانات الشرسة، أو ليمتلك جدراناً مغلقة بعيدة؛ قد لا يزورها إلا في العطلات، لمجرد الهروب من خوف وهمي نسجناه لأنفسنا بعناية، أو للوصول إلى وجاهة اجتماعية شكلية لا تمت لواقع ميزانيته بصلة.

وهنا بالضبط تتجلى المفارقة؛ إذ تنتشر في كل مجلس للحديث توقعات اقتصادية وجدل أبدي حول احتمالات «انفجار الفقاعة» في الأسواق، بينما يغفل الجميع عن الفقاعة الحقيقية التي تنفجر هادئة في أعماق البيوت كل يوم: فقاعة الوعي الاستهلاكي والاتزان النفسي.

يصحو المرء بعد سنوات من الركض والمكابدة ليجد نفسه وقد تحول من شريك في بناء أسرة هانئة، إلى خادم للأصل الذي مضى يقتنيه، يكدح طوال شهره ليغطي تكلفة أصول ومظاهر ظن يوماً أنها ستمنحه السكينة، فإذا بها تحيل يومه إلى سلسلة لا تنتهي من الالتزامات والهموم، وتفرغ مفهوم «الاستقرار» من محتواه الإنساني البسيط.

الخروج من هذه الدوامة لا يتطلب نظريات معقدة، بل يحتاج إلى شجاعة صريحة في مراجعة الذات وإعادة ترتيب الأولويات وفق الفطرة السليمة.

يبدأ الوعي عندما ندرك الفرق الشاسع بين السعي العقلاني الرشيد لتأمين متطلبات العيش وتدبير المستقبل، وبين الاندفاع القسري خلف ثقافة الاستهلاك والمحاكاة لمجرد الخوف من فقدان فرصة وهمية أو التظاهر المرضي بالترقي الاجتماعي.

البركة لم تكن يوماً بكثرة الأصول المادية التي تثقل كاهل صاحبها وتستنزف روحه، بل في ذلك اليقين والوعي النافذ الذي يجعلك تميز بوضوح بين أصل يخدم حياتك ويزيدها طمأنينة ويسراً، وبين مظاهر تجعلك «عبداً» لوهم، وتجعلك تعيش في قلق دائم لا ينتهي.