الحزن والفرح.. دموع وعدوى أيضا

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

سمعنا قديماً الجدات يرددن «من جاور السعيد يسعد»، ويبدو أن كلماتهن قد أثارت اهتمام أطباء علم النفس، فبحثوا عما وراءها، وحاولوا أن يؤكدوا أو ينفوا هذا المعنى، أن السعادة تنتقل للمحيطين كما لو كانت فيروساً معدياً ينتشر بسرعة، وإذا كانت السعادة أنواعاً وأشكالاً ومعاني مختلفة، فإن مشاعر الحب والدموع التي تنهمر في مناسبات مختلفة كذلك متنوعة، فما يُسعدني قد يصيب الآخرين بالاكتئاب أو لا يهتمون به بالمرة.

ومن أهم الدراسات الحديثة التي نُشرت مؤخراً تلك التي نُشرت نتائجها في الجمعية الملكية للعلوم، والتي أكدت أن عدوى المزاج يُمكن أن تنتشر بين المراهقين عبر شبكاتهم الاجتماعية، وأن مكونات المزاج السيئ أو الجيد -الشهية أو التعب أو النوم- قد تنتقل من مراهق إلى آخر في ما يسمى بالعدوى الاجتماعية.

وعندما يخالط المراهق أشخاصاً يتمتّعون بمعنويات مرتفعة، ترتفع حالته المعنوية، أما إذا صادفته شبكة اجتماعية سيئة المزاج، فربما أصابته الحالة المزاجية السيئة نفسها.

وأشارت دراسة سابقة أجراها باحثون بكلية الطب في جامعة هارفارد إلى أن الحالة المزاجية يُمكن أن تنتقل بين الأفراد من الجنس نفسه، وأنها أشبه بالفقاعات الصغيرة التي تظهر على سطح الماء عند إلقاء حجر، وقد صمّم فريق البحث نموذجاً رياضياً للبرهنة على هذا الطرح، مشيرين إلى أنه رغم سهولة انتقال الحالة المزاجية السيئة بين الأصدقاء، فضلاً عن أن المزاج السيئ قد ينجم عنه استشراء بعض الأعراض الاكتئابية، فإن الإصابة بمرض الاكتئاب لا تنتقل بسهولة داخل دائرة الأصدقاء.

المزاج السيئ ليس مُعدياً بما فيه الكفاية لدفع الأفراد إلى الإصابة بالاكتئاب، وإذا كان ذرف الدموع وقت الحزن أمراً طبيعياً، فماذا عن الدموع التي تُذرف وقت الفرح؟ فهذا الأمر ظاهرة فريدة من نوعها، فكيف يفعل الإنسان الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؟

تقول بعض الدراسات إن هذه الظاهرة تساعد في الحفاظ على التوازن العاطفي والهدوء، كما تؤكد أن الأشخاص الذين يبكون من الفرح يمكن أن يتعافوا بشكل أفضل.

تقول ألينا فران، استشاري العلاج الأسري: دموع الفرح آلية لا شعورية يلجأ إليها الجسم في حالات الفرح أو السعادة المفرطة لإعادة التوازن إلى الحالة النفسية والشعورية للإنسان، وذلك من خلال تحفيز رد الفعل المضاد للسعادة، وهو في هذه الحالة ذرف الدموع.

من الأسباب التي تجعلنا نبكي عندما نكون سعداء، أن الدموع طريقة طبيعية يتخلص بها الجسم من المشاعر القوية، كما أن الدموع مظهر جسدي لحالتنا العاطفية، وتساعدنا على توصيل مشاعرنا للآخرين، وقد تكون دموع الفرح وسيلة للتخلص من التوتر.

دموع الفرح تحتوي على هرمونات مضادة للتوتر ومسكنات الألم الطبيعية، أكثر من الأنواع الأخرى من الدموع، وبيّنت أن «المرأة تبكي 4 مرات أكثر من الرجل، لذا يجب ألا نتعجّب من هذه الظاهرة، فهذا التعبير عن المشاعر بصدق بلا كبت فيه، وقاية طبيعية من كثير من الأمراض.

ظهرت نظريات كثيرة حول دموع الفرح، منها: فقدان السيطرة على المشاعر، وسيلة لتعزيز العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، بعض الأشخاص يبكون دموع الفرح عند تجربة حدث مبهج، لكنهم في الوقت نفسه لديهم مشاعر حزن مدفونة لم يعبّروا عنها سابقاً.

البكاء قد يؤثر إيجاباً في جسمك، فالدموع تحتوي على إنزيمات ودهون وإلكتروليتات ومستقلبات، كما أن الدموع العاطفية قد تشمل -أيضاً- بروتينات وهرمونات أخرى.

يفترض أن إطلاق الهرمونات المضادة للتوتر، مثل: البرولاكتين وليو-إنكيفالين، يساعد في تنظيم التوازن الجسدي والعاطفي للجسم، ويُسهم في تهدئة الشخص وتنظيم حالته المزاجية.

يعتقد الباحثون في جامعة ييل أن البكاء يساعد في استعادة التوازن العاطفي، وأنه طريقة للتعافي من المشاعر القوية، سواء كانت سعيدة أو حزينة أو مخيفة، مما يساعد في إبقاء المشاعر والعواطف في اتزان دائم.