مقاهي القاهرة عيادات للتفريغ الوجداني
تشتهر القاهرة بانتشار المقاهي في كل ركن من أركان شوارعها وحواريها، بمجرد أن تنخفض حرارة الجو – خاصة في شهور الصيف – تمتلئ مقاعد المقاهي ويلتف الناس حول طاولاتها التي تنتشر على الأرصفة وأمام المحلات المغلقة . صار لك منطقة وحي المقاهي التي تميزه ، ففي الأحياء الغنية تنتشر الكافيهات ، وهو اسم مشتق من المقهى لكن بلغة أجنبية ، وفي الأحياء الشعبية تتميز المقاهي بلعب النرد أو الطاولة التي يتنافس فيها الأصدقاء من رواد المقهى ، خاصة كبار السن والمتقاعدين ، فهي بالنسبة لهم وسيلة التسلية الوحيدة . اما التسلية التي يشارك فيها كل رواد المقهى فهي مشاهدة مباريات كرة القدم العالمية ، في كأس العالم أو في مسابقات أوروبا .
سُمي المقهى بهذا الاسم نسبة إلى مشروب القهوة وليس إلى مكان شرب القهوة ، وغلب الناس استخدام الاسم على المكان لا على المشروب وصار العرف كذلك حتى في اماكن شرب القهوة في الدول الأخرى . لكن لم تعد المقاهي في القاهرة مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو انتظار موعد عابر ، تحولت بمرور الزمن ، إلى فضاءات نفسية مفتوحة يمارس فيها الناس طقسا إنسانيا نفسيا ، هو التفريغ الوجداني . يجلس اثنان أو ثلاثة حول الطاولة ، وبالتزامن مع أكواب المشاريب ، تبدأ الكلمات في التدفق كما لو أن أحدا ادخر حصياته اليومية من المشاكل والأفكار والشكاوى لكي يلقي بها على طاولة المقهى ، وتتراجع القهوة والمشاريب إلى المرتبة الثانية ، ويصبح المشروب المريح الحكاية .
من يجلس ليراقب ، لا يسمع أحاديث متناثرة ، بل خريطة كاملة للقلق الإنساني . موظف يروي تفاصيل خلافه مع رئيسه ، أم تستعيد إرهاقها مع أبنائها ، شاب يحلل نهاية علاقة عاطفية كما لو كان يعيد تمثيلها للمرة العاشرة ، رجل يتحدث عن أخ لم يعد يفهمه ، صديق يشكو صديقا آخر لأصدقائه المحيون به على الطاولة . المدينة كلها ، بأوجاعها الصغيرة والكبيرة تبدو وكأنها جاءت لتفرغ ما بداخلها على الطاولات .
أكثر ما يلفت الانتباه ليس كثرة الكلام فحسب ، بل ارتفاع الأصوات . المشهد يبدو كما لو أن الجميع يتحدثون في الوقت نفسه ، دون أن ينزعج أحد من ضجيج الآخرين . اللافت أن أصحاب المقاهي يضيفون إلى هذا المشهد طبقة أخرى من الضجيج ، يرفعون صوت الأغاني الصادر من الراديو أو التلفزيون ، لكن ذلك لا يخفف من أحاديث الزبائن ، إنما يدفعهم إلى رفع أصواتهم أكثر ، وكأن الضجيج لا ينافس الكلام ، بل يمنحه خلفية مكملة للصورة .
من الناحية السيكولوجية تعد هذه الظاهرة تعبيرا عن حاجة الإنسان إلى التنظيم الانفعالي . الإنسان لا ينظم مشاعره دائما في داخله ، إنما ينظمها أيضا عبر الآخرين . حين يروي ما حدث معه ، لا يكون هدفه نقل المعلومات بقدر ما يكون إعادة ترتيب الفوضى التي تعيشها نفسه . الحكاية ليست وصفا للحدث ، إنما محاولة للسيطرة عليه . ما إن تتحول التجربة إلى كلمات حتى تصبح أقل فوضى وأكثر احتمالا .
لذلك كثير من الناس يكررون الحكاية ذاتها مرات عديدة مع أشخاص مختلفين . ليس لأنهم يبحثون عن رد فعل جديد ، إنما لأن كل رواية جديدة للحكاية ، تخفف شيئا من ثقلها النفسي على صاحبها . فالألم الذي يجد لغة يتبدل شكله . الكلام لا يمحو الوجع ، لكنه يعيد صياغته ليصبح قابلا للتحمل .
صار المقهى مؤسسة نفسية غير رسمية . لا يقدم علاجا ، لكن يقدم بيئة أساسية تتطلبها شروط تحقيق التوازن النفسي في ظل وجود مستمع أو أكثر . ليس من الضروري أن يكون هذا المستمع حكيما أو خبيرا ، يكفي الشعور بأن أحدا ينصت بإخلاص ، وهو ما يمكن أن يخفف من حدة التوتر ويمنح التجربة المؤلمة معنى مختلفا . أحيانا لا نحتاج إلى حلول بل إلى شهود على ما مررنا به وعانينا منه .
ما يحدث في المقاهي يتجاوز الحاجة إلى المستمع . المقهى يوفر الاحتواء الجمعي . الإنسان في المدينة الحديثة يشعر بوحدة عميقة رغم زحامها ، لذلك يصبح وجوده وسط العشرات حتى لو كانوا غرباء نوعا من الطمأنينة . إنه يتحدث مع صديقه ، لكنه يشعر في الوقت نفسه أنه جزء من حياة أكبر تدور حوله . الضجيج هنا لا يزعجه ، يطمئنه ، يقول له إن الحياة مستمرة ، وإن كل من حوله يحملون أيضا أثقالهم الخاصة .
ارتفاع الأصوات ، نتيجة مباشرة لآلية نفسية واجتماعية ، الضوضاء المحيطة تفرض على المتحدث أن يرفع صوته حتى يصل إلى الطرف الآخر ، ثم يرفع الجميع أصواتهم تباعا فيما يعرف في علم السلوك بـالتكيف مع الضجيج . الأمر لا يتوقف عند هذا الحد ، الصوت المرتفع نفسه جزء من عملية التفريغ الوجداني ، المشاعر المكبوتة تبحث عن مخرج يناسب شدتها ، لهذا يأتي الكلام محمولا على نبرة أعلى ، وإيماءات أكثر ، وقهقهات أكثر انفجارا ، ولحظات الصمت تكون مشبعة بما لم يقل .
يشارك صاحب المقهى دون قصد في توفير هذه البيئة النفسية . حين يرفع صوت الأغاني أو المباريات أو البرامج ، فهو لا يصنع مجرد خلفية صوتية ، بل يوفر ستارا سمعيا يخفف الإحساس بانكشاف الأحاديث الخاصة . المفارقة أن الضجيج يمنح قدرا من الخصوصية ، يشعر المتحدث أن تفاصيل حياته تذوب في بحر الأصوات ، لا تعود مسموعة لمن حوله . الضوضاء تؤدي وظيفة الجدار ، لكنه جدار مصنوع من الصوت لا من الحجر .
يمكن تحليل الظاهرة باعتبارها أثرا من آثار التحولات الاجتماعية . تقلصت في كثير من البيوت مساحات الحوار الطويل ، بسبب إيقاع الحياة المتسارع ، وانشغال كل فرد بشاشته الخاصة ، وضيق المسكن ، وتغير شكل العلاقات داخل الأسرة . في نفس الوقت انتشرت واتسعت المقاهي ، أعادت المدينة توزيع الوظائف النفسية بين البيت والفضاء العام . ما كان يقال في غرفة الجلوس يقال على طاولة في مقهى ، ما كانت تتحمل الأسرة سماعه أصبح يتحمله صديق ، ومكان يتسع للجميع .
ليس من المصادفة أن تزدهر المقاهي في زمن تتسارع فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية . الإنسان حين يعجز عن تغيير واقعه يبحث ، عن فرصة لشرحه . سرد المعاناة يمنح صاحبها إحساسا بأنه ليس وحيدا في مواجهتها . لهذا تنتهي جلسات طويلة دون أن تحل مشكلة او حتى يطلب صاحبها حلها ، يغادر أصحابها أكثر هدوءا مما جاؤوا . لمست الكلمات جراحهم وإن لم تداوها .
يكمن سر المقهى في أنه يجمع التناقضات ، مكان عام ، لكنه يسمح بأكثر الاعترافات خصوصية . مكان صاخب ، لكنه يمنح راحة نفسية لا يجدها الإنسان في الهدوء . مساحة عابرة ، لكن التحولات الداخلية تبدأ فوق طاولاته . بين فنجان قهوة لم يبرد بعد ، وأغنية تتسلل من مكبرات الصوت ، وضحكة تقطع سيل الشكوى ، يعيد الإنسان ترتيب نفسه، ويغادر أخف قليلا مما جاء .
المقاهي ليست مجرد جزء من المشهد العمراني للقاهرة ، إنما جزء من جهازها النفسي . الرئة التي تتنفس بها المدينة ضغوطها اليومية ، المسرح الذي تعرض عليه النفوس حكاياتها كل مساء . من يصغي جيدا إلى ضجيج المقاهي لن يسمع ضوضاء فحسب ، بل سيكتشف أن المدينة كلها تتحدث ، وأن كل صوت مرتفع يخفي في أعماقه رغبة قديمة لدى الإنسان ، أن يجد من يسمعه قبل أن ينهكه الصمت ويقضي عليه .